يعصم عنه البشر من السهو، وليس في حديثه ما ينكر قط، على أن فيها ما لم يصح عنه أو ما في صحته عنه خلاف، وجملة ما اتفق على صحته عنه منها كلها في الفضائل والأحكام: ثلاثة عشر حديثًا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة.
وهذا دليل صدق أهل ذلك العصر، وعدم انحطاطهم إلى مرتبة الكذابين خذلهم الله تعالى، ولو لم يدل على ذلك إلا أن معاوية لم يرو شيئًا قط في ذم علي ـ رضي الله عنه ـ، ولا في استحلال حربه، ولا في فضائل عثمان، ولا ذم القائمين عليه، مع تصديق جنده له، وحاجته إلى تنشيطهم بذلك فلم يكن منه في ذلك شيء على طول المدة، لا في حياة علي ولا بعد وفاته، ولا تفرد برواية ما يخالف الإسلام ويهدم القواعد، ولهذا روى عن معاوية غير واحد من أعيان الصحابة والتابعين، كعبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبي صالح السمان، وأبي إدريس الخولاني، وأبي سلمه بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، ومحمد بن سيرين، وخلق كثير.
وروى عن هؤلاء عنه أمثالهم، وإنما ذكرت هذا ليعرف أن المحدثين لم يختصوا برواية حديثه، فإن من المعلوم أنهم لا يقبلون من الحديث إلا ما اتصل إسناده برواية الثقات، فلولا رواية ثقات كل عصر لحديثه عن أمثالهم لم يصح للمحدثين أنه حديثه، ولو لم يصح لهم أنه حديثه لم يرووه عنه في الكتب الصحيحة، وإنما ذكرت هذا على سبيل الاستئناس، والعمدة في الحجة ما قدمته، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد قبلت الشيعة المعتزلة ما هو أعظم من قبوله على أصولهم، وهو مرسل الثقة، فإنه مقبول عندهم على الإطلاق، فقبلوا بذلك أحاديث معاوية وهم لا يشعرون! بل فقبلوا موضوعات كثيرة رواها بعض ثقاتهم بسلامة صدر عن بعض من لم يعرف من المجاهيل، أو طبقات المجروحين.
ومن قبل مرسل الثقة على الإطلاق دخل ذلك عليه من حيث لا يدري، فإن من الثقات من يقبل المجاهيل، وفيهم من يقبل كفار التأويل، وفيهم من هو كافر تأويل عند جمهور المعتزلة والشيعة، وفيهم من يقبل الفاسق المصرح إذا عرف بالصدق والأنفة من الكذب، ولقد روي هذا عن الإمام الأعظم أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ كما قدمنا ذكر ذلك.
وقبول المرسل على هذه الصفة أعظم مفسدة، وأدخل في قبول الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.