فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 294

وهذا فرعون مع غلوه في كفره ودعواه أقبح دعوى؛ ونطقه بالكلمة الشنعاء؛ يقول الله في حقه حاكيًا عن موسى عليه السلام (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) وقال إبليس (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) وقال: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) وقال: رب (أَنْظِرْنِي) وكل مشرك مقر بأن الله خالقه؛ خالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم؛ ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) وبقولهم (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) والمشركون مقرون بذلك لا ينكرون.

الأصل الخامس

إن العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل؛ ولم تستعمل إلا في الخضوع لله لأنه مولى أعظم النعم وكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع كما في الكشاف. ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل، وهو قول لا إله إلا الله، والمراد اعتقاد معناها لا مجرد قولها باللسان؛ ومعناها إفراد الله بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كل معبود دونه؛ وقد علم الكفار هذا المعنى لأنهم أهل اللسان العربي فقالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) .

فصل

إذا عرفت هذه الأصول فاعلم أن الله تعالى جعل العبادة له أنواعًا.

(اعتقادية) وهي أساسها وذلك أن يعتقد أنه الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر؛ الذي لا شريك له ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك مما يجب من لوازم الإلهية.

(ومنها اللفظية) وهي النطق بكلمة التوحيد؛ فمن اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله؛ وكان كإبليس فإنه يعتقد التوحيد بل ويقر به كما أسلفناه عنه إلا أنه لم يتمثل أمر الله فكفر؛ ومن نطق ولم يعتقد حقن ماله ودمه وحسابه إلى الله؛ وحكمه حكم المنافقين.

(وبدنية) كالقيام والركوع والسجود في الصلاة.

ومنها الصوم وأفعال الحج والطواف.

(ومالية) كإخراج جزء من المال امتثالًا لما أمر الله تعالى به؛ وأنواع الواجبات والمندوبات في الأموال والأبدان والأفعال والأقوال كثيرة لكن هذه أمهاتها.

وإذا تقررت هذه الأمور فاعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم السلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه؛ إذ هم مقرون بذلك كما قررناه وكررناه ولذا قالوا: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ) أي لنفرده بالعبادة ويختص بها من دون الأوثان؛ فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله؛ ولم ينكروا الله تعالى؛ ولا أنه لا يعبد، بل أقروا بأنه يعبد وأنكروا كونه يفرد بالعبادة؛ فعبدوا مع الله غيره وأشركوا معه سواه واتخذوا له أندادًا كما قال تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي وأنتم تعلمون أنه لا ند له.

وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك؛ تملكه وما ملك. وكان يسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم عند قولهم لا شريك لك ويقول: قد أفردوه جل جلاله لو تركوا قولهم: إلا شريكًا هو لك؛ فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به تعالى، قال تعالى: (أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ، (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، (ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت