والقسم الثاني: توحيد العبادة، ومعناها إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها، فهذا هو الذي جعلوا لله فيه الشركاء، ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى. فالرسل عليهم السلام بعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إلى الثاني، مثل قولهم في خطاب المشركين (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) . ونهيهم عن شرك العبادة، ولذا قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) أي قائلين لأممهم أن اعبدوا الله، فأفاد بقوله: (فِي كُلِّ أُمَّةٍ) أن جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم، وأنه رب السموات والأرض، فإنهم مقرون بهذا، ولهذا لم ترد الآيات في الغالب إلا بصيغة استفهام التقرير نحو (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ، (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) ، (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، (أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، (فأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) ، (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) استفهام تقرير لهم لأنهم به مقرون، وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها ولم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى، لأنهم أشركوهم في خلق السموات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما قالوه -فهم مقرون بالله في نفس كلمات كفرهم- وأنهم شفعاء عند الله،، قال الله تعالى: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركًا ونزّه نفسه عنه، لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها ولا يغنون عنهم من الله شيئًا.
الأصل الرابع
إن المشركين الذين بعث لله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وأنه الذي خلق السموات والأرض (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) ، وأنه الرازق الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) ، (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) .