تأليف الأستاذ المحدث الشهير
محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو المستعان
قال الإمام العلامة الهاشمي الفاطمي السيد محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير الكحلاني ثم الصنعاني المتوفى في عام 1182 هجرية.
الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد، حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد، من اتخاذ الأنداد، فلا يتخذون له ندًا ولا يدعون معه أحدًا، ولا يتكلون إلا عليه، ولا يفزعون في كل حال إلا إليه، ولا يدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصلون إليه بالشفعاء (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وأشهد أن لا إله إلا الله ربًا معبودًا وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أمره أن يقول: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) وكفى بالله شهيدًا، صلى الله عليه وعلى آله والتابعين له في السلامة من العيوب، وتطهير القلوب عن اعتقاد كل شيء يشوب.
(وبعد) فهذا (تطهير الاعتقاد، عن أدران الإلخاد) وجب علي تأليفه، وتعين علي ترصيفه، لما رأيته وعلمته من اتخاذ العباد الأنداد، في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام، وهو الاعتقاد في القبور، وفي الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات وهو من أهل الفجور، لا يحضر للمسلمين مسجدًا ولا يُرى لله راكعًا ولا ساجدًا، ولا يعرف السنة ولا الكتاب، ولا يهاب البعث ولا الحساب، فوجب علي أن أنكر ما أوجب الله إنكاره، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره، فاعلم أن ههنا أصولًا هي من قواعد الدين، ومن أهم ما تجب معرفته على الموحدين.
الأصل الأول
إنه قد علم من ضرورة الدين أن كل ما في القرآن فهو حق لا باطل، وصدق لا كذب، وهدى لا ضلالة، وعلم لا جهالة، ويقين لا شك فيه. فهذا الأصل أصل لا يتم إسلام أحد ولا إيمانه إلا بالإقرار بهذا الأصل وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه.
الأصل الثاني
إن رسل الله وأنبياءه من أولهم إلى آخرهم بعثوا لدعاء العباد إلى توحيد الله بتوحيد العبادة، وكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه قوله: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، (أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) ، (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) وهذا الذي تضمنه قول لا إله إلا الله، فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد منعناها لا مجرد قولها باللسان، ومعناها هو إفراد الله بالإلهية والعبادة والنفي لما يعبد من دونه والبراءة منه، وهذا الأصل لا مرية فيما تضمنه ولا شك فيه وأنه لا يتم إيمان أحد حتى يعلمه.
الأصل الثالث
إن التوحيد قسمان: (القسم الأول) توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها، ومعناها أن الله وحده هو الخالق للعالم وهو الرب لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكًا بل هم مقرون به كما سيأتي في الأصل الرابع.