فى بيان أن هذا كفر وشرك أكبر يحل الدم والمال ويخلد صاحبه في النار إذا بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة وأبى وعاند مصرًا على شركه معلنًا بكفره إذا كان من الأكبر الذي لا يغفر، فأما أنه شرك فلأن لفظ الشرك معناه هو أن تعبد غير الله مع الله وهذا هو الواقع، ولفظ الكفر هو الجحود والتكذيب بما علم بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم به ضرورة، فهذه الأسماء وهذه المسميات بينهم ما بين الامهات والبنات.
وقد ذكر ابن هشام في السيرة إنما كانت عبادة المشركين العكوف والدعاء ونحوهما من الذبح والطواف.
وفي زاد المعاد لابن القيم رحمه الله تعالى في المغازي في فصل قدوم وفد خولان وهم عشرة أنهم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل عم أنس وهو صنم خولان الذى كانوا يعبدونه، قالوا: أبشر بدلنا الله به ما جئت به وقد بقيت منا بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به ولو قدمنا عليه لهدمناه إن شاء الله فقد كنا منه في غرور وفتنة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعظم ما رأيتم من فتنة، قالوا: لقد رأيتنا أسنتنا حتى أكلنا الرمة فجمعنا ما قدرنا عليه وابتعنا به مائة ثور ونحرناها لعم أنس غداة واحدة، وتركناها تردها السباع، ونحن أحوج اليها من السباع فجاءنا الغيث من ساعتنا ولقد رأينا العشب يواري الرجال ويقول قائلنا أنعم علينا عم أنس وذكر والرسول صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءًا له وجزءا لله بزعمهم الى آخر القصة وفيها وكنا نتحاكم اليه، انتهى.
وقد ذكر قطرب في قوله تعالى: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) إن على بمعنى اللام، أي ما ذبح لأجل النصب.
فان جادل مجادل وأنكر منكر وكابر مكابر في هذا الأمر الظاهر. قيل له: بين لي الشرك الذي حرمه الله تعالى ونهانا عنه ما هو؟ وما الذي كان يعبد به المشركون أصنامهم المنقوشة وأنصابهم المنصوبة وغيرها من معبوداتهم، فإنه لا يجد جوابًا أبدًا، لا أن يقول عبادة الله وعبادة غيره، أما بالدعاء عبادة الله أما بالذبح أو بغيرهما من العبادات وأصح الشهادات ما شهدت به الأعداء.
أو يقول لا أدري، فقل له: أتنكر ما لا تعرف وتجحد ما لا تدري؟ وكذلك تقول له في العبادة التى فرض الله علينا وأمرنا بها وخلقنا لها وهى حقه علينا ومستحقه لدينا إن صرفناها إليه وعبدناه بها كنا من الموحدين وإن صرفناها لغيره وعبدناه بها صرنا من المشركين. فإن عرفها وبينها وإلا فبين له ذلك بأقسامها من الاعتقادية والقولية والفعلية والبدنية والمالية: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) .
والله سبحانه قد بين لنا الأحكام وفصل لنا الحلال والحرام، وأحاطت الشريعة المحمدية بدقائق العلوم واشتملت على الفروع والأصول بالمنطوق والمفهوم، وقد تركنا صلى الله عليه وسلم على البيضاء ليلها كنهارها، وما طائر في الجو إلا وجعل لأمته منه ذكرًا.
وقد أفادت السنة بكيفية الاستجمار بالأحجار كيف وصفها كيف، بل في سنن أبي داود في آداب التخلي قولهم: لقد علمكم نبيكم حتى الخراءة، فما بالك أيها الإنسان بمسألة عظيمة مهمة لأجلها أُعدت الجنة للمتقين وبُرّزت الجحيم للغاوين، لا يبينها ويوضحها ويمتنها ويشرحها؟ كلا والله لقد بلغ البلاغ المبين صلى الله عليه وسلم صلاة دائمة إلى يوم الدين.
وكتب المغازي والسير تدل على ذلك، وأن هذا الذي قاتل عليه النبي صلى الله عليه وسلم المشركين وحاربهم عليه ولم تكن عبادتهم للأصنام ونحوها إلا الدعاء لهم والتعلق عليهم والاعتقاد فيهم والالتجاء إليهم والعكوف عندهم.