فنفس اتخاذ الشركاء إقرار بالله تعالى ولم يعبدوا الأصنام بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنهم تقربهم من الله زلفى وتشفع لهم لديه؛ فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه وإن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل؛ وإن ذلك لا يكون إلا لله وحده؛ وهذا هو توحيد العبادة؛ وقد كانوا مقرين كما عرفت في الأصل الرابع بتوحيد الربوبية؛ وهو أن الله هو الخالق وحده، والرازق وحده.
ومن هذا تعرف أن التوحيد الذي دعتهم إليه الرسل من أولهم -وهو نوح عليه السلام- إلى آخرهم- وهو محمد صلى الله عليه وسلم، هو توحيد العبادة، ولذا تقول لهم الرسل (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) ، (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) .
وقد كان المشركون منهم من يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد، ومنهم من يعبد أحجارًا ويهتف بها عند الشدائد فبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله وحده بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية، أي بربوبية السموات والأرض، وأن يفردوه بكلمة"لا إله إلا الله"معتقدين لمعناها عاملين بمقتضاها، وأن لا يدعو مع الله أحدًا، وقال تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) ، وقال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي من شرط الصدق بالله أن لا يتوكلوا إلا عليه وأن يفردوه بالتوكل كما يجب أن يفردوه بالدعاء والاسغفار.
وأمر عباده أن يقولوا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى وإلا كان كاذبًا منهيًا عن أن يقول هذه الكلمة، إذ معناها نخصك بالعبادة ونفردك بها، وهو معنى قوله: (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) ، (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) كما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي لا تعبدوا إلا الله، ولا تعبدوا غيره، ولا تتقوا غيره. كما في الكشاف: فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده واللجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللًا لله تعالى؛ والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب؛ والحلق والتقصير كله لا يكون إلا لله عز وجل، ومن فعل ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره، فهذا شرك في العبادة وصار من تفعل له هذه الأمور إلهًا لعابديه سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرًا أو قبرًا أو جنيًا أو حيًا أو ميتًا. وصار بهذه العبادة أو بأي نوع منها عابدًا لذلك المخلوق وإن أقر بالله وعبده، فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم، قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل الله عملًا شورك فيه غيره ولا يؤمن به من عبد معه غيره.
فصل
إذا تقرر عندك أن المشركين لم ينفعهم الإقرار بالله مع إشراكهم في العبادة، ولا يغني عنهم من الله شيئًا، وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون، وأنهم يقربوهم إلى الله زلفى، وأنهم يشفعون لهم عند الله تعالى فنحروا لهم النحائر وطافوا بهم ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذللين متواضعين في خدمتهم، وسجدوا لهم، ومع هذا كله فهم مقرون لله بالربوبية وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين ولم يعتد بإقرارهم هذا لأنه نافاه فعلهم فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية.