الصفحة 66 من 66

أبيه سعد رضي الله عنه قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال صلى الله عليه وسلم: (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة) عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن زيد وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله، وإنما أمر بقتل عبد الله بن خطل لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار وكان معه مولى يخدمه مسلما فنزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا وكانت له قينه وصاحبتها فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتلهما معه، وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، قال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما، قال فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختفى عند عثمان بن عفان رضي الله عنه فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بايع عبد الله قال: فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله) فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال صلى الله عليه وسلم (إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين) [1] وكان ابن أبي لسرح كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتد ولحق بأهل الشرك وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري إلى اليمن وأتبعه معاذ بن جبل رضي الله عنهما، فلما قدم عليه معاذ ألقى له وسادة وقال: انزل فإذا عنده رجل موثق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه ودين السوء فتهود، فقال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال: نعم أجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ـ ثلاث مرات ـ قال: فأمر به فقتل [2] ، فقد ذكر معاذ أن قضاء الله ورسوله في المرتد أن يقتل ولم يأمر بمراجعته واستتابته، ولو كانت الاستتابة واجبة لما غفل عنها معاذ حينئذ، وإن كان قد ورد في بعض الروايات أن هذا الرجل قد استتيب من قبل ولكن الحجة في أن معاذا رضي الله عنه قد ذكر أن قضاء الله ورسوله أن يقتل المرتد ولم

(1) رواه النسائي وأبو داود عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في سورة النحل (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره) إلى قوله (لهم عذاب عظيم) فنسخ واستثنى من ذلك فقال (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفان رضي الله عنه فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن تيمية قصته وروايات ابن إسحاق والواقدي لها في الصارم المسلول ج2/ 221:224.

(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود ولفظه (فأتى أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام فدعاه عشرين ليلة، فجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت