دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد)، وقوله صلى الله عليه وسلم (من حلف بغير الله فقد كفر) ، وقوله صلى الله عليه وسلم (اثنتان في أمتي هما بهم كفر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت) ، ونظائر ذلك كثيرة، قالوا: وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتسب ولم يوجب زوال هذا الاسم عنهم كفر الجحود والخلود في النار فكذلك كفر تارك الصلاة ليس بكفر جحود ولا يوجب التخليد في الجحيم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا إيمان لمن لا أمانة له) [1] ، فنفى عنه الإيمان ولا يوجب ترك أداء الأمانة أن يكون كافرا كفرا ينقل عن الملة، وهذا باب واسع.
فالجواب على هذا: إن هذا التأويل والحمل لا وجه له في ألفاظ الأحاديث الواردة في كفر تارك الصلاة من وجوه عدة:
أولا: إن الكفر المطلق لا يجوز أن يحمل إلا على الكفر الأكبر والذي هو ضد الإيمان، وذلك لأن هذا هو المعنى الشرعي المطلق له، ولا سيما إذا قوبل بلفظ الإيمان فإنه يجب حمله على الكفر الأكبر، ثم لو صح هذا الحمل على الكفر الأصغر أو كفر النعمة في بعض المواضع، فلا يصح هاهنا لأنه إنما أراد به الكفر المقابل للإيمان والإسلام كما نص عليه في بعض الأحاديث، وذلك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم (بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك) وقوله صلى الله عليه وسلم للذي لم يصل مع الجماعة (ما منعك أن تصلي ألست برجل مسلم؟) ومثل قول عمر: لا إسلام لمن ترك الصلاة، وفي لفظ آخر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
ثم إنه لا يجوز تأويل لفظ الكفر الوارد في النصوص وحمله على الكفر الأصغر إلا بقرينة تصحح هذا الحمل والصرف، ولا قرينة فيما ذكرناه من نصوص في تكفير تارك الصلاة كوجودها فيما ذكروه من النصوص،
وأما تأويل لفظ الكفر في هذه الأحاديث بكفر النعمة فساقط باطل في هذا الموضع ولذلك لم ينقل هذا التأويل عن السلف في هذه المسألة، لأن كفر النعمة إن أريد به جحد إنعام الله عليه فهذا كفر صريح، وإن أريد به التقصير في الشكر فليس ترك الصلاة أولى من ترك باقي الفرائض والواجبات، بل كل من ترك شيئا من الفرائض فقد قصر في شكر نعمة الله، فينبغي أن يسمى كافرا على قولهم، والإجماع حاصل على عدم تكفير من فرط في الواجبات غير المباني الخمس، فلا وجه لتخصيص ترك الصلاة بهذا.
وأما حمله على كفر دون كفر فهذا حمل غير صحيح لأن الكفر الوارد في الصلاة هو الكفر الأعظم وذلك من عدة وجوه أهمها:
1ـ أن الكفر المطلق هو الكفر الأعظم المخرج عن الملة فينصرف الإطلاق إليه، وإنما يصرف إلى غيره في بعض المواضع لقرائن تحف بالنص وهي معدومة في النصوص الموجبة لتكفير تارك الصلاة بخلاف ما ذكروه من النصوص
(1) رواه أحمد