الوجه الخامس: أن أكثر ما ذكروه من الدلائل محمول على من يؤخر الصلاة عن وقتها وهو ينوي قضاءها، كالأمراء الذين كانوا يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت ولم يجز النبي صلى الله عليه وسلم مناجزتهم والخروج عليهم، بل قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالكف عن قتال هؤلاء الأئمة ما صلوا، وأمر بأداء الصلاة في وقتها والصلاة معهم نافلة، فعلم أنهم لو تركوا الصلاة لقوتلوا على ذلك، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟) قلت: فما تأمرني؟ قال صلى الله عليه وسلم: (صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة) [1] ، وكما فسر ابن مسعود رضي الله عنه قوله تعالى (أضاعوا الصلاة) وبين أن إضاعتها هي تأخيرها عن وقتها وأنها من الكبائر التي توعد عليها بالعذاب، وأن من تركها بالكلية كفر [2] .
الوجه السادس: يحمل بعض ما ورد من الأدلة على من يخل ببعض فرائض الصلاة فلا يؤديها على وجهها الأكمل والأتم وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم إن صح (خمس صلوات كتبهن الله على العباد ... ) الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات (ومن لم يحافظ عليها) يفهم منه فعلها مع الإخلال بالمحافظ، ولذلك قال كثير من العلماء تضييعها: أن لا يقيم حدودها، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها و إلا قيل انظروا هل من تطوع فأكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك) [3]
(1) رواه مسلم وأحمد والنسائي وأبو داود وابن خزيمة وأبو عوانة والبيهقي والطبراني والبزار بألفاظ متقاربة.
(2) ورد عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن (الذين هم عن صلاتهم ساهون) و (على صلاتهم دائمون) و (على صلاتهم يحافظون) فقال ابن مسعود: على مواقيتها، قالوا: كنا لا نرى ذلك إلا على الترك، قال: ذلك الكفر، وعن القاسم بن مخيمرة رحمه الله في قوله تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة) قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كانوا تركوها لصاروا كفارا، (راجع: تفسير الطبري ج16/ 98، تفسير ابن كثير ج3/ 128)
(3) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن، راجع في شرح هذه الأوجه: شرح العمدة لابن تيمية ج4/ 85 وما بعدها، تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ج1/ 66: 70، معارج القبول لحافظ بن أحمد حكمي ج2/ 418 وما بعدها، فيض القدير للمناوي ج6/ 159، شرح النووي على صحيح مسلم ج1/ 219: 221