الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرا على ذلك فإنه يستوجب النار وان قال لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده فانه في حال قولها كان مخلصا، لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص وأضعفته وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك، بخلاف المخلص المستيقن فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة يضعف إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، ولذلك فقد قال الحسن البصري رحمه الله: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قصد في هذه الأحاديث بيان الأمر الذي لا بد منه في جميع الأشياء والذي لا يكتفى به عن غيره في جميع الخلق وهو الشهادتان، فإن الصلاة قد لا تجب على الإنسان إذا أسلم ومات قبل دخول الوقت [1] ، و ربما أخرها ينوي قضاءها و مات قبل ذلك، وكذلك الزكاة والحج والصيام قد لا تجب على بعض الخلق لضعف أو مرض أو فقر، ولذلك ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا يهوديا قال للرسول صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم مات، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (صلوا على صاحبكم) وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه (لُوا أخاكم) [2]
(1) روى البخاري وابن حبان والبيهقي والطبراني عن البراء أنه قال: أتى النبي رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل وأسلم؟ قال (أسلم ثم قاتل) فقاتل فقتل فقال رسول الله (عمل قليلا وأجر كثيرا) ، وقد أخرج بن إسحاق في المغازي قصة عمرو بن ثابت بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه كان يقول: أخبروني عن رجل دخل الجنة ولم يصل صلاة؟ ثم يقول: هو عمرو بن ثابت.
(2) رواه أحمد والطبراني بسند صحيح، ونصه عند أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن الله عز وجل ابتعث نبيه لإدخال رجل الجنة، فدخل الكنيسة فإذا يهود وإذا يهودي يقرأ عليهم التوراة، فلما أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وسلم أمسكوا وفي ناحيتها رجل مريض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما لكم أمسكتم) فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة فقرأ، حتى أتى على صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (لوا أخاكم) ، وعن أبي صخر العقيلي رضي الله عنه قال حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغت من بيعتي قلت: لألقين هذا الرجل ولأسمعن منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرا التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي) فقال برأسه هكذا أي: لا، فقال ابنه: أي والله الذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم (أقيموا اليهودي عن أخيكم) ثم ولي دفنه وجننه والصلاة عليه، رواه أحمد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: أبو صخر لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح، قال ابن حجر: اسمه عبد الله بن قدامة وهو مختلف في صحبته، وجزم البخاري ومسلم وابن حبان وغيرهم بأن له صحبة، وعن أنس رضي الله عنه أن يهوديا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أنك رسول الله ثم مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلوا على صاحبكم) رواه أحمد محتجا به، وقال الهيثمي: أخرجه أبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح. وقد ورد في معنى الأحاديث السابقة أحاديث أخرى صحيحة منها ما أخرجه البخاري في صحيحه في الجنائز عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي يعوده فقعد عند رأسه فقال له صلى الله عليه وسلم (أسلم) فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول (الحمد لله الذي أنقذه من النار) ورواه الحاكم في المستدرك في الجنائز أيضا وزاد: فلما مات قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا على صاحبكم) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووهم في ذلك فقد رواه البخاري في موضعين، ورواه أحمد في مسنده ولفظه (كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم يضع له وضوءه ويناوله بغلته) لكن رواه بن حبان في صحيحه ورواه عبد الرزاق في مصنفه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له جار يهودي فمرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فعرض عليه الشهادتين ثلاث مرات، فقال له أبوه في الثالثة: قل ما قال لك، ففعل ثم مات، فأراد اليهود أن تليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نحن أولى به، وغسله النبي صلى الله عليه وسلم وكفنه وحنطه وصلى عليه) ، وروى محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن بريدة رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لنا (قوموا بنا نعود جارنا اليهودي) قال: فأتيناه فقال له صلى الله عليه وسلم (كيف أنت يا فلان؟) ثم عرض عليه الشهادتين ثلاث مرات، فقال له أبوه في الثالثة: يا بني اشهد فشهد، فقال صلى الله عليه وسلم (الحمد لله الذي أعتق بي نسمة من النار) ورواه بن السني في عمل اليوم والليلة.