في التلقي؛ كتابا وسنة صحيحة وإجماعا معتبرا، ولا يجوز لأحد مهما علا كعبه في العلم أو عظم شانه أن يتكلم في شئ من أحكام التكفير من غير مستند شرعي يؤيده، وإلا كان كلامه تأليًا على الله وتقولا عليه سبحانه بغير علم.
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة، وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه وتعالى أوجب الجنة للمؤمنين وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان) [1] .
وقال ابن حزم الاندلسي رحمه الله تعالى: (لا نسمي في الشريعة اسمًا إلا بأن يأمرنا الله تعالى بأن نسميه أو يبيح لنا الله بالنص بأن نسميه، لأننا لا ندري مراد الله عز وجل منا إلا بوحي وارد من عنده علينا، ومع هذا فإن الله عز وجل يقول منكرًا لمن سمى في الشريعة شيئا بغير إذنه عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} ، وقال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} ، فصح أنه لا تسمية مباحة لملك ولا لإنس دون الله تعالى، ومن خالف هذا فقد افترى على الله عز وجل الكذب وخالف القرآن، فنحن لا نسمي مؤمنا إلا من سماه الله عز وجل مؤمنا، ولا نسقط الإيمان بعد وجوبه إلا عمن أسقطه الله عز وجل عنه) [2] .
وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (إن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع المسلمين ثم أذنب ذنبًا أو تأول تأويلًا فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام، لم يكن لاختلافهم بعد اجتماعهم معنى يوجب حجةً، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة - وهم أهل الفقه والأثر - على أن أحدًا لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر
(1) مجموع الفتاوى: 12/ 256.
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3/ 191.