والخطأ في هذا الباب يقع بأحد وجوه:
-إما بالنظر في المصالح والمفاسد من جانب معيَّن؛ كما يترتب على هذا العمل مما يصيب حزبًا معينًا، أو عملًا آخر بعينه، فيُجعل معيارًا، ولا يُلتفت إلى سائر المصالح. وهذا كثير في أصحاب العمل الدعوي الذين يُضخّمون -لا أقول الدعوة فحسب- بل عملهم الدعوي الخاص، فيزِنون الأمور بالتأثير فيه خاصة، دون التأثير في سائر الجوانب الذي قد يكون راجحًا.
-وإما بقصر النظر في محلٍّ معيَّن؛ فقد يكون للعمل مفسدة غالبة في قُطرِه، لكن له مصلحةً عظيمة غالبة في غيره من أقطار المسلمين. فنجد أهل هذا القطر يغفلون عن أثر ذلك العمل على العمل الإسلامي العالمي، والأصل أن الهدفَ واحد هو التمكين للإسلام، والمصلحة للمسلمين كافة. فلا يسوغ قصر الاعتبار على مصلحة الدعوة، أو مصلحة الجهاد، أو مصلحة أهل هذا البلد أو ذاك؛ بل المصلحة الشرعية تُعرف من اعتبار مجموع ما يؤثر على المسلمين والعمل الإسلامي.
-وإما أن يكون الخلل من جهة عَدّ ما ليس أثرًا للعمل أثرًا له بسطحية النظر؛ بحيث يُعَد كلُّ ما تزامن مع العمل أثرًا له، ويكون في حقيقته إما تزامنًا مصادفةً، أو أن العمل عجّل به ولم يؤثر في إحداثه؛ كما قيل عن ضربات الحادي عشر إنها أسقطت دولتين، واستعدت الأمريكان على المسلمين، أو ما يقال عن أن ضرب الصواريخ على اليهود يستعديهم على مسلمي فلسطين، ونحو هذا مما لا عِبرة به ولا يُلتفت إليه من هذه الحيثية.
-أو يكون النظر وجوديًا محضًا؛ بحيث يًنظر إلى ما ترتَّب على العمل من مصالح ومفاسد، ولا يُنظر إلى ما تخلَّف بسببه من مصالح ومفاسد كانت متوقعة لولاه؛ فإن العدم أصلٌ، ولذا لا يتنبه إليه إلا من أحسن قراءة الواقع العملي.
-أو تكون المصالح والمفاسد المترتبة منها ما هو في غير الباب الذي يُصنَّف ضمنه العمل فيُغفل عنه؛ فنجد من يقيس المصالح والمفاسد العسكرية والسياسية في العمل الجهادي، ويغفل عن المصالح والمفاسد في الجانب الدعوي؛ فكم انتشرت الدعوةُ -من طرق مختلفة- بسبب الجهاد، كأن تنتشر السنة بين أهل بلد بسبب المجاهدين من أهل السنة وما أظهروا من ثبات وتمسك بالدين، كما حصل في أفغانستان، وفي الشيشان بشكل ظاهر، وفي العراق، وكما دخل كثير من الكفار في الإسلام بسبب ضربات الحادي عشر، وكما حصل في مصر وغيرها من مدٍّ دعوي بعد الجهاد؛ لأثر الجهاد المباشر، ولفزع الحكومات إلى السماح ببعض صور الدعوة لصرف الشباب عن العمل الجهادي والتنفيس عن أهل الإسلام، وغير ذلك من الصور الكثيرة التي لا يمكن حصرها.
وعكس ذلك أيضًا: أثر العمل الدعوي على الجهادي، وهو ظاهر لا يُنكر والكلام فيه كالكلام في سابقه.
هذه إشارات إلى بعض ما نعتبره ونحسب أنَّا لا نغفل عنه عند تقديرنا للمصالح والمفاسد المترتبة على الاستراتيجية العامة، وكل خطوة أو عمل نقوم به، من حيث هو محقِّق للهدف العام للجهاد.