بتغير ظروف البلاد، والظروف الدولية عامة، والهدف المنوط بنا من حيث أننا حلقة تخدم الجهاد العالمي وتسعى إلى تحقيق أهدافه، فربما كان العمل في بلدٍ ما اليومَ مرجوحًا وغدًا راجحًا مع تغير الظروف؛ إذا كان تغيرًا مؤثرًا في مثل هذه القرارات.
ثانيًا: من المؤثرات التي نعتبرها ونرى غلبة الغفلة عن اعتبارها في بعض الجماعات الجهادية وجماعات العمل الإسلامي عمومًا: تأثير المخالفين والموافقين؛ فالغالب اعتباره: وضع العدو، وحاله، وقوته، وما إلى ذلك، مع غفلةٍ شبه تامة عن تأثير المخالفين والموافقين في دراسة المصالح والمفاسد المؤثرة على الاستراتيجية المثلى للعمل.
وأعني بتأثير المخالفين: من يخالفنا في أصل العمل، أو طريقته، من الجماعات الإسلامية والأعيان من العلماء والدعاة. فربَّما كان العملُ -أو الطريقة المعينة فيه- من حيث دراسة أحوال العدو راجحًا ومصلحته غالبة، لكن في البلد من علمائه وجماعاته الإسلامية من يخالفنا في ذلك لاجتهادٍ أو تقصيرٍ في النظر أو انحراف منهجي أو غير ذلك، ولا سبيلَ عادةً إلى إقناعهم برُجحانه وتحقُّق المصلحة الشرعية فيه، فإن من الواجب والحال هذه اعتبار مخالفة هؤلاء عند موازنة المصلحة والمفسدة؛ فإن بقي العمل راجحًا مع مخالفة هؤلاء له، وإلا فالواجب إعادة النظر فيه وفي طريقته بحيث يحقق المصلحة الشرعية. والغفلة تأتي عند العاملين من جهة أنهم لا يعتدَّون بآراء هؤلاء؛ وهذا لا يسوغ اطِّراح تأثيرها وإهماله وإن عددناها أو بعضَها غير سائغة.
وأما الموافق؛ فأعني به القاعدة الشعبية للعمل، وشباب العمل أنفسهم، من جهة أهليتهم بمجموعهم لهذا العمل، حتى لا نُقدم على ما هو فوق طاقتنا. ومن جهة مراعاة تصوراتهم بما يدفع مفسدة مخالفتهم، مثلًا: قد يكون الكمون أرجح وأصلح من حيث مراعاة حال العدو، ولكنه يؤدي حتمًا إلى انفراط عقد الشباب لأنَّ مَن سيقدِّر ضرورات السياسة الشرعية قِلَّة، والغالب فيهم التحمُّس للعمل المباشر، فعندها قد يكون ما رجح من حيثية أخرى مرجوحًا إذا اعتبرنا هذه الحيثية من ضمن مجموع ما نعتبر، فيرجح عندنا القيام بعمليات متفرّقة حفاظًا على الشباب وثقتهم.
نعم، الواجب على الشباب السمع والطاعة واتباع القادة ونحو ذلك، لكن الكلام عن مراعاة المصالح؛ وهذا يختلف باختلاف ثقافة الشباب وسعة أفقهم ومدى ثقتهم بقادتهم، ومراعاة ذلك لا تعني عدم الالتفات إلى محاولة قطع أصل هذه المفسدة في الفريقين: مناقشة المخالفين، وتثقيف الشباب وتوعيتهم، فالأصل إزالة تأثير ذلك. لكن الكلام عن مراعاة خلاف هؤلاء من حيث هو مؤثر قوي في المصالح والمفاسد.
وهذا يُغني عن التنبيه عن أن هذا ليس من جنس الرضوخ لهم، وأنه ليس فيما لا يجوز شرعًا، بل هو مقيَّد بقيود المصالح والمفاسد العامة ولا فرق؛ ولكننا أحببنا إبراز هذا الجانب دون غيره لكثرة الغفلة عنه.
ثالثًا: عدم قصر النظر على المصالح والمفاسد الظاهرة عند النظر؛ فإن أعظم المصالح وأعظم المفاسد قد تكون خافية بعيدةً لا تظهر إلا لمن فقه أدق تفاصيل الواقع المؤثرة في المسألة محل النظر.
وقد قيل:"إن الفتنة إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل أحد". لكن المُشاهَد اليوم أنها تُقبل وتُدبر وكلٌّ يتكلم فيها بما يوافق هواه ورأيه الذي هو محض استحسان ذهني، ولو لم يكن عنده أهلية للنظر الشرعي والسياسي!.