الصفحة 46 من 95

الهاوية، بل لأن البدائل والخيارات المتاحة للغرب ليست كثيرة في الشأن السوري، ولأن محاولة التغيير مخاطرة كبيرة جدا على استقرار المنطقة وبالتالي: على المصالح الغربية وعلى دولة اليهود، ولأن الفوائد المجتناة من النظام النصيري في سورية تفوق بمرات عدة أي مخاطر تأتي منه، وهذا ما كان أوراق ضغط يستخدمها النظام بشكل منجَّم للحصول على مكتسبات في المدى القريب في كل مرة، وهو ما شكل مكتسبات متجددة حيث إن هذا النظام قد أدمن على اجتراح وسائل البقاء والنجاة من المخاطر التي تحيط به.

ثم ننتقل إلى الخصائص التي تؤكد ما أسلفنا من وجود أهمية خاصة للنظام الحالي وهي على الشكل التالي:

-... تقع سورية في منطقة شديدة الحساسية جغرافيا، وهي إن لم تكن دولة وكيانا اجتماعيا؛ متميزةً عن دول الجوار في مواردها، إلا أن مجاورتها لدول تتمتع بهذه القدرات في مواردها، جعلها ذات أهمية استراتيجية سلبية، بمعنى أن النظام الإقليمي والدولي يحافظ على استقرار سورية بهذا الشكل حتى لا ينتشر الاضطراب في دول الجوار المهمة بذاتها أو ذات العلاقة المميزة بالغرب، أي تركيا والعراق والأردن ولبنان وإسرائيل، ثم بلاد الحرمين (السعودية) بدرجة أدنى. وهذا ما يدركه النظام السوري جيدا ويستغله بأقصى قدرته للحفاظ على وجوده، وهو ما يفسر احتضانه لحركات إسلامية إخوانية معارضة في السابق مع أنه ذبح الإخوان المسلمين في سورية، وكذلك تساهله في أول الأمر في تتبع ورصد تحركات المجاهدين من خلال أراضيه إلى العراق، برغم اندماجه بقوة في حرب الإسلام (مكافحة الإرهاب) مع أمريكا وأوروبا.

-... التنوع والاختلاف يضرب بأطنابه في سورية، في التركيبة العِرقية لسكانه، والتركيبة الدينية، بشكل يتعدى ما هو معروف عن لبنان مثلًا، وإذا كان لبنان قد اكتسب سمة الدولة الطائفية المتناحرة بين مكوناتها بسبب نظامه السياسي الطائفي، حيث أكسبته ما تسمى بـ (الحروب الأهلية) الطويلة منذ القرن التاسع عشر الميلادي سمعة دولية وأسبغت عليه اهتماما زائدا منذ ذلك الحين، فإن سورية باستقرارها الاجتماعي وندرة اندلاع مواجهات طائفية فيها لأسباب كثيرة منها استبداد الأقلية على مقاليد السلطة بيد من حديد منذ نصف قرن؛ قد أبعدت الأذهان عن حقيقة التنوع الشديد فيها، لكن هذا لا يخفى عن أعين القوى النافذة في العالم، والتي ترسم سياساتها بناء على الخصائص الثابتة وليس على الأحداث العارضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت