الصفحة 29 من 95

تقوى على حمل المعاني؛ فلم يعرف الناس كلاما يقوى على التعبير عمّا أجده من فراقكم:

أَبَى الشَّوقُ إلاَّ أَن يَحِنَّ ضَميرُ * وكُلُّ مَشُوقٍ بالحَنينِ جَديرُ

وَهَلْ يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ كِتْمانَ لَوْعَةٍ * يَنِمُّ عَلَيْهَا مَدْمَعٌ وَزَفِيرُ

أماه، إن كان حال الظالمون بيني وبينك، فإنّ نار الشّوق يطفئها نور الإيمان، ومرارة الفراق يذهب بها الرجاء، والقلب يحيى بذكر الله وحسن الظنّ به فيفارقه الوهن، وفي البلاء نعمة لمن فقه حكمة الله عزّ وجلّ وعرف أمره له فأطاعه، فالصبر سمة المؤمنين، وصفة الفالحين، والله سبحانه دلّنا على عاقبته فقال: (فاصبر إنّ العاقبة للمتّقين) وقال: (واصبر فإنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين) ، وقال تعالى: (يا بنيّ إنّها إن تك مثقال حبّة من خردل فتكن في صخرة أو في السّماوات أو في الأرض يأت بها اللّه إنّ اللّه لطيف خبير * يا بنيّ أقم الصّلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنّ ذلك من عزم الأمور) ، ودلّنا سبحانه على ما يعين على الصبر والتجلّد فقال: (فاصبر إنّ وعد اللّه حقّ واستغفر لذنبك وسبّح بحمد ربّك بالعشيّ والإبكار) ، ويعينك على الصبر أن تتذكّري أنّ بلاءنا لا يبلغ شيئا مما أوذي به الأنبياء، وأحبّهم إلى ربّنا جلّ وعلا نبيُّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، هو أكرم ولد آدم عند ربّه، وأعلاهم منزلة؛ استهزأ به قومه، وأخرجوه من أرضه، وتآمروا على قتله وقاتلوه، وسلّطوا عليه السّفهاء، فما ضعف وما وهن وما استكان، بل صبر وبالله وحده استعان، كما أمره بقوله: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل) ، وقال له: (فاصبر صبرا جميلا) ، وأمره بما يعينه على هذا الصبر، فقال: (فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربّك قبل طلوع الشّمس وقبل الغروب * ومن اللّيل فسبّحه وأدبار السّجود) فهو -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس خلقا وأقواهم نفسا؛ أمره ربّه بعبادته وذكره يستعين بذلك على الصبر، فاستعيني أماه بالصبر والصلاة، وعلّقي قلبك بالله؛ وعاقبة أمرك خير بإذن الله وفضله. وما الدنيا وما بلاؤها وشدّتها، والجنة موعود المؤمنين؟ في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأشدّ الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مرّ بك شدة قط؟ فيقول لا والله يا ربّ ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط) ، فأبشري بالخير، فما خاب من استجاب لربّه وسأله بقلب خاشع ونفس خالية من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت