(حقائق التَّوَكُّل)
ويروى عَن بعض الْحُكَمَاء أنه قَالَ أحْمَد الله إليكم حمد من لَا يعرف إحسانا إلا مِنْهُ وَلَا يعرف معبودا غَيره وأسأله توكل المنقطعين بِصدق الِانْقِطَاع إليه.
أما بعد:
فَإِن الله تَعَالَى خص أهل ولَايَته بغبطة الِانْقِطَاع إليه ليعرفهم تَوَاتر نعمه ودوام إحسانه وفضله فَانْصَرَفت هموم الدُّنْيَا من قُلُوبهم وَعظم شغل الْآخِرَة فِي صُدُورهمْ لما سكنها من هَيْبَة رَبهم فألزموا قُلُوبهم ذل الْعُبُودِيَّة وطرحوا أنفسهم فِي محجة التَّوَكُّل على الله
وَاعْلَم يَا أخي أنك لَا تكون متوكلا على الله إلا بِقطع كل مُؤَمل دون الله
وَكَيف لَا تسخو نَفسك بِقطع كل علاقَة من قَلْبك وتفرغ قَلْبك للإقبال على الله وَصدق التَّوَكُّل عَلَيْهِ وَالله حسب من توكل عَلَيْهِ
والمتوكل الصَّادِق فِي توكله لَا يجد قلبه يخضع لمخلوق لأن قلبه مَمْلُوء بالثقة بِضَمَان الله
والمتوكل الصَّادِق فِي توكله الْقَلِيل من عطايا الله عَظِيم عِنْده عِنْد صغر
قدره لمعرفته بعظيم قدر الله فَهُوَ سَاكن إلى روح الْيَقِين وَهِي الْمنزلَة الَّتِي يغبطه بهَا أهل الْحِرْص على الدُّنْيَا
فَمن سكن قلبه إلى أنه لَيْسَ نعْمَة فِي السَّمَاء والأرض إلا وَهِي لله استراح قلبه من عَذَاب الْحِرْص أما سمعته يَقُول {هَل من خَالق غير الله يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض} وَقَالَ {أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين}
فَإِذا أَلزمت الثِّقَة قَلْبك فَإِنَّمَا أنت نَاظر إلى الله لأن الْملك لله دون خلقه وبقدر تَركك الثِّقَة يعظم حرصك على الدُّنْيَا
فَخَالف حرصك على الدُّنْيَا بالقنوع بِمَا قسم لَك فَإنَّك تسرع فِي عَدَاوَة الْحِرْص على الدُّنْيَا لأن الْحِرْص لَا يُعْطي وَلَا يمْنَع
والمتوكل على الله اسْتغنى بالمعطي الْمَانِع عَمَّن لَيْسَ بمانع وَلَا معط فَهُوَ غَنِي بِاللَّه عَمَّن سواهُ فَقير إلى الله قد سكن قلبه عَن الِاضْطِرَاب فَلَيْسَ لمخلوق فِي قلبه خطر فَمن وثق بِغَيْر الله لَا يُغْنِيه
والمتوكل لزم التَّقْوَى فَجعل الله لَهُ مخرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَلم يقل من حَيْثُ يحْتَسب وَقَالَ {وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه إن الله بَالغ أمره قد جعل الله لكل شَيْء قدرا}
فالمتوكل توكل على الله فِي حاجاته كلهَا من أمور آخرته ودنياه
وَقطع رَجَاءَهُ مِمَّن سواهُ وَلم ير نَفسه موضعا لاختيار نَفسه لأن الله حَسبه وَمن كَانَ كَذَلِك فقد سكن إلى روح الْيَقِين
وَهَذِه الْمنزلَة الَّتِي لَا منزلَة أرْفَع مِنْهَا فِي سُكُون الْقلب إلى الله والطمأنينة بموعود الله لِأَنَّهُ قد جعل الله حَسبه من جَمِيع خلقه وَمن كَانَ الله حَسبه فَلَا يجد فقد شَيْء لأن الله قد ضمن لَهُ وَهُوَ بَالغ أمره
وَاعْلَم أنك والخلق جَمِيعًا مضطرون إلى الله فِي كل حَال وَفِي كل حَرَكَة وكل سُكُون لِأَنَّهُ الْغَنِيّ وَحده وَمن وثق بِغَيْر الله فقد رأى أن ملكا أكبر من ملك الله وَمن وثق بِاللَّه اسْتغنى بِهِ لأن الله حَسبه، وَفِي الله خلف من جَمِيع الْخلق، وَلَيْسَ فِي أحد من الْخلق خلف من الله لأن الله هُوَ الْغَنِيّ وَحده.
فَإِذا علمت أن الله حسب من توكل عَلَيْهِ فَكيف لَا تطلب الْكِفَايَة بالتوكل على الله عز وَجل
أَلَسْت تعلم أن الرَّزَّاق قد قسم بَين عباده مَعَايشهمْ وَقد فضل بَعضهم على بعض فِي الرزق وَقد فرغ مِمَّا قضى وَقدر من ذَلِك
فَكيف تعنى بعد علمك بِطَلَب مَا قد فرغ لَك من مِقْدَاره
ألا تسمع إلى قَول الله عز وَجل {وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله} فَكيف تطلب كشف الضّر من غير الله أوْ تطلب الْمَنْفَعَة من عِنْد غير الله.