وَاعْلَم يَا أخي أَن النَّاس إنما يخلصون فِي أعمالهم على قدر معرفتهم بِهِ ويتواضعون لله على قدر معرفتهم بِهِ ويشكرون الله على نعمه على قدر معرفتهم بِهِ ويرجون الله وَيَخَافُونَ على قدر معرفتهم بِهِ ويحسنون الظَّن على قدر معرفتهم بِهِ ويصبرون على طَاعَته وَعَن مَعْصِيَته وعَلى كتمان طَاعَته وعَلى المصائب الَّتِي تنزل بهَا أحكامه على قدر معرفتهم بِهِ وَيُحِبُّونَ مَا أحب ويبغضون مَا أبغض على قدر معرفتهم بِهِ
فَمن فَاتَتْهُ الْمعرفَة بِاللَّه دخله النَّقْص فِي جَمِيع مَا ذكرنَا على حسب مَا فَاتَهُ من الْمعرفَة وعَلى حسب مَا رزق مِنْهَا فَكَذَلِك حَظه من الْخَيْر وَالشَّر
فالتمسها يَا أخي من مليكها التمَاس من لَا يستأهل أن يعطاها فَإِن الْعلمَاء قد صَارُوا إِلَيْهِ من الْعلم على قدر مَا أحسنوا من الطّلب وَوضع الْأَشْيَاء موَاضعهَا
فَإِذا أصبحت وأردت شَيْئا من الْخَيْر فَانْظُر كَيفَ شكرك على مَا أنعم بِهِ عَلَيْك رَبك فِي ليلتك وَكَيف توبتك مِمَّا يُتَاب مِنْهُ فقد قَالَ تبَارك وَتَعَالَى {لَئِن شكرتم لأزيدنكم} وَقَالَ {وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون}
وإذا دخلت فِي شَيْء من الْخَيْر فَانْظُر مِمَّن كَانَ بدؤه وعَلى من إِتْمَامه وأنه لَو قيل لَك من أحب إليك أن تعْمل لَهُ؟ لَقلت الله
فليحقق ضمير قَلْبك مَا عبر واقر بِهِ لسَانك
وَاعْلَم يَا أخي أن أهل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بَين سرُور وهموم
فَأهل سرُور الْآخِرَة أهل الْجنَّة وَإِن أفضل سرورهم النّظر إِلَى الله، وَأَن أفضل سرُور الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا سروره بربه وَبِأَنَّهُ عَبده وتصديق ذَلِك أنه بمراقبته ومناجاته وَبِكُل مَا يعْمل لَهُ وعلامة أنسه بِعَمَلِهِ وجود حلاوة الْعَمَل لَهُ وَشدَّة الْحبّ لخدمته
ومحال أن يسْتَأْنس الْعَامِل بِعَمَلِهِ وَهُوَ غير مستأنس بِمن يعْمل لَهُ أوْ غير خَائِف مِنْهُ
وَاعْلَم يَا أخي لَو أن الَّذِي تطلب وتعالجه من نَفسك من الطَّاعَة والاستقامة لله كنت تعالجه من جَمِيع أنفس ولد آدم لَكَانَ فِي الله قَلِيلا فَكيف وَهِي نفيسة وَاحِدَة فِي أيام قَليلَة.
فَالْزَمْ يَا أخي الْمُحَافظَة والمداومة على التعاهد فِي المراقبة فَلَو كَانَت الدُّنْيَا كلهَا لَك فبذلتها ونفسك مَعهَا شكرا لما أنعم عَلَيْك من معرفَة وأنه رَبك وأنت عَبده وأنه هُوَ أمرك بعبوديته ونهاك عَن عبودية غَيره لَكَانَ ذَلِك كُله قَلِيلا حَقِيرًا فِي جنب نعْمَته عَلَيْك فِي ذَلِك فَلَا تضيعها بشغل مَا لَا حَاجَة لَك فِيهِ فَإِنَّهُ لَا غنى بك عَن معرفَة إحسانه إِلَيْك كَمَا لَا غنى بك عَن إساءة
فَإِن العَبْد بَين ذَنْب ونعمه وَبَين شكر واستغفار وَالْحَمْد لله على مَا أنعم علينا وَعلمنَا وَكَانَ فضل الله علينا عَظِيما.