التحلية قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) [1]
ولقد انخدع في هذا الانحراف الثاني خلق كثير من العلماء المعدودين على الأمة وأدخلوه تحت الانحراف الأول و أعطوا الشرعية للحكام بأن يبدلوا ماشاءوا ويحكموا بما شاءوا ولاضير في ذلك -من وجهة نظرهم - لذا فقد تغير الأمر تماما عما كان عليه العهد الأول فالحكام الآن كما هو مشاهد يحكمون بغير ما أنزل الله، ويوالون في غير الله ويقفون موقف العدوان من كل من يريد العودة إلي الإسلام مرة أخري، فيكون مصيره القتل والسجن والتشريد، وأصبحوا أدوات في يد الغرب يستخدمهم لتحقيق أهدافه في إذابة كل ما يتصل في هذه المجتمعات بالإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا، واستيراد عقائد أخري، وشرائع أخري، وأخلاق أخري، ومن خلال هذه العمالة سعى هؤلاء للقضاء على الضرورات الخمس: الدين والنفس والعرض والمال والنسل، والواقع خير شاهد.
وقد جاء الشيخ سيد قطب ليواجه الجاهلية العالمية، والجاهلية المحلية وقد وقف موقف البيان فقاد ثورة فكرية شاملة ضد الكفر وأهله، لم يستبق شيئا من حياته إلا قدمه لله [2] جهده وماله ونفسه لله، لم يداهن لم يخف لم يرهب طاغوتا، لم يخش إلا الله.
أعلنها مدوية عالية حتي وصل صداها إلي العالم كله لا اله إلا الله، أن الحكم لله، وأن السلطان لله، وأن الولاء لله، وأن الخلق كله لله،، وأن الأمر كله لله وأن الإسلام هو الاستسلام لله بقبول شرعه وحده ورفض شرع ما سواه، وهذا هو الإسلام وحده، وما عداه فهو الكفر. كان فكر سيد رحمه الله نقلة نوعية في المسار الفكري للصحوة الإسلامية عموما وللإخوان المسلمين خصوصا فجسد كتاب (المعالم) وفكر سيد عموما، فكر الحاكمية والتمايز والمفاصلة، وبالتالي الحكم بالكفر والردة على أنظمة الحكم القائمة والدعوة الصريحة لجهادها ورسم معالم طريق هذا الجهاد ..
وشكل كتاب (دعاة لا قضاة) كما يدل عنوانه المعبر، منهج الإخوان الجديد وبداية مسار التراجع الذي ابتدؤوه من حينها، وكانت خلاصة نظريته أن رواد الصحوة الإسلامية عبارة عن دعاة إلى الإسلام والإصلاح، وليسوا قضاة على الحكام والناس وما هم فيه من أحوال، حتى يحكموا بانتمائهم للإسلام أو خروجهم عنه. وشكل هذا الكتاب أحد أهم
(1) - البقرة.
(2) - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا