وأضاف الجصاص رحمه الله:
(ولم يدفع أحد من علماء الأمة وفقهائها سلفهم وخلفهم وجوب ذلك إلا قوم من الحشو و جهال أصحاب الحديث، فإنهم أنكروا قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسلاح، وسموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة [1] . إذا احتيج فيه إلى حمل السلاح وقتال الفئة الباغية، مع ما قد سمعوا فيه من قول الله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} وما يقتضيه اللفظ من وجوب قتالها بالسيف وغيره. وزعموا مع ذلك أن السلطان لا ينكر عليه الظلم والجور وقتل النفس التي حرم الله وإنما ينكر على غير السلطان بالقول أو باليد بغير سلاح، فصاروا شرا على الأمة من أعدائها المخالفين لها ; لأنهم أقعدوا الناس عن قتال الفئة الباغية وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور. حتى أدى ذلك إلى تغلب الفجار بل المجوس، وأعداء الإسلام حتى ذهبت الثغور وشاع الظلم وخربت البلاد وذهب الدين والدنيا وظهرت الزندقة والغلو ومذاهب الثنوية و الخرمية و المزدكية والذي جلب ذلك كله عليهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على السلطان الجائر والله المستعان.
فهذا أبو مسهر (وقد وجه به المأمون إلى إسحاق ابن إبراهيم ببغداد فأحضر له إسحاق جماعة ليقرّ بكتاب المحنة الذي كتبه المأمون في خلق القرآن، ونفي الرؤية وعذاب القبر، وإن الميزان ليس بكفتين وإن الجنة والنار غير مخلوقتين. فلما قرىء الكتاب على أبي مسهر قال: أنا منكر لجميع ما في كتابكم هذا. بعد مجالسة مالك والثوري ومشائخ أهل العلم: إذًا لا أكفر بالله بعد إحدى وتسعين [2] ، ولا أقول القرآن مخلوق ولا أنكر عذاب القبر ولا الموازين إنها كفتان ولا أن الله يرى في القيامة ولا أن الله تعالى على عرشه، وعلمه قد أحاط بكل
(1) أهل الحديث وأهل السنة الذين يسميهم المعتزلة - ومنهم الجصاص - بالحشوية لاثباتهم صفات الرب عز وجل؛ لا يسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة هكذا بإطلاق كما يعيبه عليهم هنا الجصاص؛ وإنما الفتنة عندهم الخروج على أئمة الجور والظلم - لا الكفر - بالسلاح إن لم يتيقن من التمكن من خلعهم بل غلب على الظن فشل ذلك وسفكت الدماء بسببه، وهذا ليس مذهب قوم من جهال أهل الحديث كما ادعاه الجصاص بل هو مذهب جمهور أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، يرون عدم الخروج على أئمة الجور حتى يظهروا كفرا بواحا .. أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يخذل عنه أهل السنة ولا يعطلونه ولكن المعتزلة تريد به الخروج بالسلاح على أئمة الجور ويعيبون على أهل السنة ترك ذلك حقنا للدماء ..
(2) -أي بعد إحدى وتسعين سنة