الصفحة 14 من 121

شيء، علمًا نزل بذلك القرآن وجاءت به الأخبار التي نقلها أهل العلم فإن كانوا متهمين في القرآن فهم الذين تلقوا القرآن والسنن عن رسول اله صلى الله عليه وسلم. فجر برجله وطرح في أضيق المحابس فما أقام إلا يسيرًا حتى توفي رحمه الله تعالى. فحضر جنازته من الخلق ما لا يحصيهم إلا الله.) [1]

وهذا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل لايقبل المساومة ولا أنصاف الحلول في دين الله عز وجل، ويقف وحده-وهو الضعيف بذاته القوي بربه - في طرف بينما يقف السلطان وسطوته وعلماؤه في الطرف الآخر أعني المعتصم الذي أقبل وجلس على الكرسي ونزع نعله من رجله ووضع رجلا على رجل ثم قال: (يحضر أحمد بن حنبل فأحضر فلما وقف بين يديه وسلم عليه قال: له يا أحمد تكلم ولا تخف فقال: أحمد والله يا أمير المؤمنين لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال حبة من الفزع فقال: له المعتصم ما تقول في القرآن فقال: كلام الله قديم غير مخلوق قال: الله عز وجل"وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) [2] "فقال: له عندك حجة غير هذا فقال: أحمد نعم يا أمير المؤمنين قول الله عز وجل"الرحمن علم القرآن"ولم يقل الرحمن خلق القرآن وقوله عز وجل"يس والقرآن الحكيم"ولم يقل يس والقرآن المخلوق فقال: المعتصم احبسوه فحبس وتفرق الناس فلما أصبحت قصدت الباب فأدخل الناس فدخلت معهم فأقبل المعتصم وجلس على كرسيه فقال: هاتوا أحمد بن حنبل فجيء به فلما أن وقف بين يديه قال: له المعتصم كيف كنت يا أحمد في محبسك البارحة فقال: بخير والحمد لله إلا أني رأيت يا أمير المؤمنين في محبسك أمرًا عجبا قال: له وما رأيت قال: قمت في نصف الليل فتوضأت للصلاة وصليت ركعتين فقرأت في ركعة"الحمد لله"و"قل أعوذ برب الناس"وفي الثانية"الحمد لله"و"قل أعوذ برب الفلق"ثم جلست وتشهدت وسلمت ثم قمت فكبرت وقرأت"الحمد لله"وأردت أن أقرأ"قل هو الله أحد"فلم أقدر ثم اجتهدت أن أقرأ غير ذلك من القرآن فلم أقدر فمددت عيني في زاوية السجن فإذا القرآن مسجى ميتا فغسلته وكفنته وصليت عليه ودفنته فقال: له ويلك يا أحمد والقرآن يموت فقال: له أحمد فأنت كذا تقول إنه مخلوق وكل مخلوق يموت فقال: المعتصم قهرنا أحمد قهرنا أحمد فقال: ابن أبي دؤاد وبشر المريسي اقتله حتى نستريح منه فقال: إني قد عاهدت الله أن لا أقتله بسيف ولا آمر بقتله بسيف فقال: له ابن أبي دؤاد اضربه بالسياط فقال: نعم ثم قال: أحضروا الجلادين فأحضروا فقال: المعتصم

(1) - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - (ج 1 / ص 15.)

(2) -من الآية 6 سورة التوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت