فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 2268

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 186]

(تنبيهات)

الأول: في معنى الدعاء:

قال في القاموس وشرحه: الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالسؤال. ويطلق على العبادة والاستغاثة.

الثاني: فيما فسرّ به قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ:

قال ابن القيّم في (زاد المعاد) في هديه صلّى الله عليه وسلّم في سجوده ما نصه: وأمر - يعني النبيّ صلّى الله عليه وسلّم - بالدعاء في السجود، وقال «1» : إنه ضمن أن يستجاب لكم.

وهل هذا أمر بأن يكثر الدعاء في السجود؟ أو أمر بأنّ الداعي إذا دعا في محلّ فليكن في السجود؟ وفرق بين الأمرين .. ! وأحسن ما يحمل عليه الحديث، أنّ الدعاء نوعان:

دعاء ثناء، ودعاء مسألة. والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يكثر في سجوده من النوعين. والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين. والاستجابة - أيضا - نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب. وبكلّ واحد من النوعين فسرّ قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. والصحيح أنّه يعمّ النوعين. انتهى.

الثالث: فيمن هو الداعي المجاب:

قال الراغب: بيّن تعالى - في هذه الآية - إفضاله على عباده، وضمن أنهم إذا دعوه أجابهم، وعليه نبّه بقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] .

إن قيل: قد ضمن في الآيتين أنّ من دعاه أجابه، وكم رأينا من داع له لم يجبه!

قيل: إنّه ضمن الإجابة لعباده، ولم يرد بالعباد من ذكرهم بقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: 93] وإنّما عنى به الموصوفين بقوله: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ} [الحجر: 42] ، وقوله: {وَعِبادُ الرَّحْمنِ} [الفرقان: 63]

الآيات وللدعاء المجاب شرائط وهي: أن يدعو بأحسن الأسماء، كما قال تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها} [الأعراف: 180] ، ويخلص النيّة، ويظهر الافتقار، ولا يدعو بإثم، ولا بما يستعين به على معاداته. وأن يعلم أنّ نعمته فيما يمنعه من دنياه كنعمته فيما خوّله وأعطاه. ومعلوم أنّ من هذا حاله فمجاب الدعوة .. !

وقال ابن القيّم، عليه الرحمة، أيضا في أول كتابه: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) ما نصّه، بعد جمل: وكذلك الدعاء. فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب. ولكن قد يتخلف عنه أثره. إمّا لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان. وإمّا لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء. فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا. فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا. وإمّا لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو اللهو وغلبتها عليه. كما

في صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة.

واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه!.

فهذا دواء نافع مزيل للداء. ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته. وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها.

(1) أخرجه مسلم في: الصلاة، حديث 207 ونصه: عن ابن عباس قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر. فقال: «يا أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له. ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل.

وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء. فضمن أن يستجاب لكم»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت