فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 93

{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) }

ويأخذ العبد الفاضي على القرآن ما يسميه"خَلْط الأسماء"حيث تقول الآيات 84 - 86 من سورة"الأنعام"عن إبراهيم عليه السلام: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} .

ووجه اعتراض العبقري الذي لم تلده ولادة في السُّخْف وضلال العقل أن ترتيب الأنبياء هنا لا يجرى على ترتيبهم التاريخي (ص 36 - 37) .

وهذا اعتراض لا معنى له أبداً، فالقرآن لم يقل إن هذا هو ترتيبهم التاريخي، ولم يستعمل في العطف بين أسمائهم إلا"الواو"، وهي حرف لمطلق الجمع، أي لا تفيد ترتيباً، بخلاف"ثُمّ"و"الفاء". فهذان سببان كافيان لإخراس المتنطع، ومع هذا فإننا نسوق أيضاً المعلومة التالية التي لو كان عنده ذرة من حساسية لانشقّت الأرض بعدها وابتعلته كما ابتعلت قارون. يا أيها المتنطع، قبل أن تقذف بيوت الناس بالحجارة أنظر إلأى زجاج بيتك وخَفْ عليه أن يفكر الآخرون في الردّ على حجارتك الطائشة التي لا تفيدك شيئاً بحجر واحد يحطمه لك تحطيماً! وبيتك الزجاجي الذي أقصده هو أسفار الأنبياء في العهد العتيق التي لا تخضع لأي ترتيب تاريخي رغم أن ذلك الكتاب قائم على ترتيب الأحداث التي وقعت لبني إسرائيل ترتيباً تاريخياً، إذ وردت تلك الأسفار فيه على النحو التالي: أشَعْيا ثم إرميا ثم باروك ثم حزقيال ثم دانيال ثم هوشع ثم يوئيل ثم عاموس ثم عوبديا ثم يونان ثم ميخا ثم نحوم ثو حبقوق ثم صفنيا ثم هجاى ثم زكريا ثم ملاخى، على حين أن الترتيب التاريخي هو عاموس، هوشع، أشعيا، ميخا، صفنيا، ناحوم، حبقوق، إرميا، حزقيال، حجاى، عوبديا، زكريا، يوئيل، دانيال، وهذا ليس كلامنا نحن بل كلام علمائكم.

ويستمر عقل العصفور في هجومه الصبياني الأخرق على القرآن الكريم فيتهمه بأنه مأخوذ من أقوال الحنفناء وأشعار امرئ القيس وقصص سلمان الفارسي وكُتب جهلة اليهود والنصارى (ص 185) .

ولو كان عنده هو والذين أًزُّوه على هلاكه مُسْكة من عقل ما فتح هذا الباب الذي إنما يفتح به على نفسه أبواب الجحيم, ترى لو أن الرسول عليه الصلام والسلام قد أخذ كلام الحنفاء وجعله قرآناً، فِلمَ سكت منهم من ظلوا أحياء إلى ما بعد بعثته كورقة بن نوفل، الذي سارع إلى الإيمان به وأعلن أنه لو امتدّ به الأجل إلى اليوم الذي يُقْدِم القرشَّيون فيه على إيذائه وإخراجه من مكة فلسوف يقف إلى جانبه وينصره نصراً مؤزراً، وكأمية بن أبي الصلت، الذي كان عازماً على الدخول في دعوته والانضواء تحت رايته لولا أن وقعت غزوة بدر، وسقط بعض أقاربه قتلى بسيوف المسلمين؟ ترى لم سكتوا فلم يقولوا: إن محمداً إنما تعلّم منا واستوحى قرآنه من كلامنا؟ ولِمَ سكت كذلك أولاد من مات منهم قبل البعثة وأقاربهم كما هو الأمر في حالة زيد بن عمرو بن نُفَيْل، الذي كان ابنه سعيد من أوائل من لَبَّوْا دعوة الرسول ثم تبعه ابن عمه وصهره عمر بن الخطاب؟

ولقد توفرت لأمية كل الدواعي لفضح محمد لو كان الرسول عليه السلام قد استمد قرآنه منه ومن أمثاله. فقد رثى هَلْكَى قريش في غزوة بدر بقصيدة حاثية بلغت الغاية في التفجع عليهم والتحريض على الإسلام والمسلمي. وهذه القصيدة موجودة في ديوانه وفي كتب السيرة والتاريخ والأدب، ومع ذلك تقرؤها من أولها إلى آخرها فلا تجد فيها كلمة واحدة تتّهم محمداً بشيء. كذلك كان هناك أبو عامر الراهب، الذي كان الغِلّ يلتهم قلبه والذي كان يتصل بالبيزنطيين في الشام يستعين بهم على حربه - صلى الله عليه وسلم - وكان له بين سكان المدينة عيون وأنصار، ومع ذلك كله لم يحدث أن قتح فمه بكلمة تتهمه عليه السلام بالأخذ من الحنفاء حتى ولا لابنه حنظلة، الذي تمرد عليه وانحاز إلى الرسول عليه الصلاة والسلام

واستُشْهِد في معركة أحد حيث بلغ تحريض أبيه وتآمره على النبي والمسلمين المدى الأبعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت