فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 93

في هذا الفصل نتناول ما سمّاه الجاهل بـ"الأسئلة اللغوية"، وهي الأسئلة الخمسة والعشرون التي عقد لها فصلًا مستقلًا غطى الصفحات 107 - 112. والهدف الذي يبتغيه من وراء هذه الشبهات هو أن يلقي في رُوع القراء بأن بالقرآن الكريم أخطاء لغوية، وهذه دليل على أنه لا يمكن أن يكون من عند الله، لأن الله لا يخطئ، وهو إذن من تأليف محمد، ولسوف أفاجئه وأسلك في الرد على هذا القيء سبيلًا لا يتوقعها هذا الجاهل ولا خطرت له ببال، إذ سأفترض أن محمدًا هو فعلًا صاحب القرآن، ثم أعالجه بمفاجأة أخرى لا تقلّ عن الأولى إذهالًا إن لم تزد، هذه هي المسألة كما يقول شكسبير!

فالمعروف أن أية لغة هي من صنع أهلها الأوائل الذين تكون ممارستهم لها حينئذ بالسليقة، أي بدون أن يكونوا واعين تمامًا بالقواعد التي تحكمها، بل يتشرًبها كل جيل من الجيل السابق عليه تشربًا، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تُجْمَع فيها اللغة وتُسْتَخْلَص قواعدها من كلام أهلها، فما قالوه يكون هو الصواب، وما لم يقولوه لا يكون مقبولًا.

ولْنُطبَّق الآن هذا الكلام على اللغة العربية: لقد كان الجاهليون يمارسون العربية بالسليقة، وكان كلامهم هو مقياس الخطأ والصواب، وبطبيعة الحال فإن شعراءهم وخطباءهم كانوا يمثًلون أرقى المستويات اللغوية لكونهم أفضل قومهم ثقافة وذوقًا أدبيًا ورهافة حسّ، وكان محمد واحدًا من هؤلاء المثقفين، مَثَلُه مَثَلُ امرئ القيس وطرفة وزهير والأعشى وقُسً بن ساعدة وحسًان بن ثابت وغيرهم من الشعراء والخطباء الذين أُخِذَتْ عنهم اللغة، ومن كلامهم قُعَّدَتْ قواعدها، فهل سمع أحد أن شخصًا قد خطأ أيًا من هؤلاء الشعراء أو الخطباء؟ إن هذا لم يحدث، ولن يحدث. فقرآن محمد إذن هو، على أسوأ الفروض، مثل شعر امرئ القيس مثلًا أو خُطَب قس بن ساعدة، أي أنه هو المعيار الذي يُحْتَكَمُ إليِه ويؤخذ منه ويُهْتَدَي به،

إما أن تطاول أحد وتطلع إلى تخطئته فتلك هي الطامة الكبرى، وهذا ما فعله هذا الأحمق الموسوم بـ"العبد الفاضي"!

وفضلًا عن ذلك فينبغي ألا يفوتنا أنه لو كان في القرآن الكريم أي خطأ لغوي مهما تَفِهَ لملأ مشركو العرب صياحًا واستهزاء بمحمد. لقد افترَوْا عليه الأكاذيب ولم يألوا جهدًا في اتهامه زورًا وبهتانًا بأنه مجنون وأنه ساحر وأنه كذاب وأنه إنما يعلمه بشر، ولكنْ رغم كل هذا لم يجرؤ أحد منهم قط أن يهمس مجرد همس بأن في القرآن أخطاء لغوية، مع كثرة ما تحداهم أن يأتوا بقرآن مثله أو بعشر سُوَرٍ منه أو حتى بسورة واحدة تشبه سُوَره، وكثرة ما نشب بينهم وبينه من حروب كلامية ومعارك بالسيف والرمح والحصان. فما معنى هذا؟ إن أعداء محمد من المبشرين لا يخجلون! ذلك أنهم إنما يحركهم الحقد والدناءة، وناس هذه دوافعهم كيف ننتظر منهم أن يُعْمِلوا عقولهم أو يتقوا ربهم؟

وطريقتنا مع الشُّبَه اللغوية التي لُقًنها العبد الفاضي كما يُلَقَّن الأطفال هي أن نذكر كل شبهة منها ونبيَّن نما فيها من رقاعة وجهل ثم ننفخ فيها نفخة خفيفة فتطير في الهواء هباءً منثورًا. ولكن قبل أن نبدأ نحب أن نوجه نظر القراء إلى أن معرفة هذا الجاهل بقواعد اللغة العربية، حسبما يبدو من أسلوبه نفسه أو من الاعتراضات التي يثيرها ضد أسلوب القرآن، هي معرفة تافهة فجّة. وهذه جملة من أخطائه في الكتاب الذي بين أيدينا:

قال مثلًا:"فجملة السماوات والأراضي أربعة عشر" (ص 22) ، وصوابها لكل من له أدنى إلمام بقواعد اللغة هو:"أربع عشرة"، وقوله عن مريم أن المسيح عليه السلام:"... مع أن بينها وبين عمران وهارون وموسى ألف وستمائة سنة" (ص 30) ، والصواب هو:"ألفًا وستمائة سنة"، وقوله:"... مع أن بين الحادثتين زمن مديد" (ص 58) ، وصحته:"زمنًا مديدًا"، وقوله:"كيف يكون حال بيت يكذب فيه الزوجان على بعضهما؟" (ص 68) ، والصحيح:"يكذب فيه الزوجان أحدهما على الآخر، أو يكذب فيه أحد الزوجين على الآخر"، أما ما قاله فهو كلام العوامّ من أشباهه. ومن أخطائه أيضًا قوله:"نتساءل إن كان ما رواه الأولون حقّ أم شبيه الحق" (ص 99) ، وصحته:"حقًا"، وقوله:"وتكون رسالة الأنبياء وتكليفهم بالكرازة والدعوة عبث لا ضرورة له ولا فائدة منه" (ص 103) ، وتصويبه:"عبثًا"، وقوله:"... بشرط أن تجامع رجلًا غيره يسمَّى محلَل" (ص 139) ، وصوابه:"يسمَّى محلَّلًا، وقوله:"يعتقدون أن أحكامها ملغيَّة" (ص 198) ،"

وتصحيحه:"مُلغاة"، وقوله:"خانوا نظام المجتمع بإتيانهم نسائهم بعد صلاة العشاء" (ص 201) ، وصحته"بإتيانهم نساءهم"، وقوله:"معروف أن لكل لغة أدباؤها" (ص 203) ، وتصويبه 8:"أدباءها"، وقوله عن الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه:"كانت له عند وفاته تسع نسوة أحياء وسُرَّيَّتَيْن" (ص 207) ، والصحيح:"وسُرَّيَتان"، وقوله عن الرَّبَاعِيةَ إنها"الأسنان الأربعة الأمامية" (ص 24) ، والصواب أنها الواحدة من هذه الأسنان الأربع لا كلها، وقوله:"كانوا اثني عشر ألفا: العَشْر الذين حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليه من الطلقاء: هوازن وثقيفا"، وفيه غلطتان قبيحتان:"العَشْر"وصوابها:"العشرة" (أي عشرة الآلاف الذين حضروا فتح مكة"، ثم"وثقيفًا"، وصوابها:"وثقيف"(فهي معطوفة على"هوازن"، التي هي بدل من"الطُّلَقاء"المجرورة) ، وقوله:"فإذا أراد أن يزوج زينبًا لابنه زيد ... ، وإذا أراد محمد زينبًا ..." (ص 247) ، وصحته"زينبَ"بفتحة واحدة لأنه ممنوع من الصرف ... وهكذا."

ويبلغ خِزْيُ هذا الجاهل أقصاه حين يخطئ القرآن الكريم في قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} ، إذ يتحذلق في تعالم سفيه مؤكدًا أن وضع فتحة على همزة"ضرّاء"خطأ لأنها مجرورة، ومن ثم يجب وضع كسرة تحتها (ص 108) . وفات هذا الأرعن أن"ضراء"ممنوعة من الصرف فتُجَرّ بفتحة واحدة كما هي في الآية، أما الجرّ بالكسر فلا تعرفه العربية إلا بكسرتين اثنتين لا بكسرة واحدة. بل إنه، لفَرْط جهله، يخطئ في نقل آية قرآنية دون أن يحسّ بأنه قد أتى شيئًا، ومرجع ذلك إلى بلاده إحساسه. جاء في كلامه عن نوح عليه السلام أن القرآن يقول"وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِون" (الصافات/ 77) ، وهي بنصب {الْبَاقِينَ} لا برفعها كما كتبها الأحمق.

وإن الإنسان ليذهل من إقدام مثل هذا الجاهل الغشوم الذي يخطئ تلك الأخطاء الأولية على تخطئة القرآن الكريم. بَيدَ أننا، عند مراجعة الأمر جيدًا في ضوء منطق الأشياء وطبيعتها، نرى ألا موضع للذهول ولا حتى للاستغراب، إذ ما أسهل أن يخبط الجاهلُ الذي لا يبصر ولا يقدر على التمييز بين الصواب والخطأ خبط عشواءَ، وفي حسبانه أنه يُحْسِن صنعًا! ولولا أن هناك جهلة مثله يمكن أن ينخدعوا بمثل هذه التشويشات ما بَالَيْنا بها ولا بتوجيه النظر إلى ما فيها من سخف وضلال. وعلى هذا فببركة الله نبدأ فنتناول تخطئاته الغشوم مبينين ما فيها من تفاهة وجهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت