فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 93

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(94)}

وتحت عنوان"الوحي الذي يشكّ فيه مبلغَّه"يسوق الشقيُّ اللعينُ قوله تعالى مخاطباً رسوله عليه السلام في بدايات الوحي:

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (يونس/94) دليلاً على إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يشكّ في نبوته، فكيف يتوقع إذن من سامعيه أن يصدّقوه؟ ثم يستشهد بقول بولس إلى أهل غلاطية (1/ 8) :"إنْ بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشّرناكم فليكن أناثيماً (أي واقعاً تحت لعنة) "على أن هناك فرقاُ بين محمد، الذي يشك في الوحي الذي ينزل عليه، وبين بولس الواثق فيما كان يبشرّ به حسب كلامه (ص 82 - 83) .

ومقطع الحق أنه ليس في الآية الكريمة ما يدل على إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يشك آنئذ في الوحي، فإنّ حرف الشرط"إنْ"يدل على استحالة الفعل أو استبعاد حدوثه على أقل تقدير، وإنما هو ضرب من تثبيت القلب، إذ كان قومه يكذّبون ويفترون عليه الاتهامات، فبيّن القرآن له أنه على الحق فلا ينبغي أن يبالي بافتراءات المفترين، وإذا كان قومه يكذبونه ويرفضون دعوته فها هم أولاء الذين يقرأون الكتب من قبله، فليسألهم إن أحبّ، ولسوف يجيبونه بأن نبوته معروفة عندهم وأن الناموس الذي ينزل عليه هو نفسه الناموس الذي كان ينزل على إخواته الأنبياء من قبل. إنه نفس الجواب الذي

سمعه قبلاً من ورقة بن نوفل. ومع ذلك فإنه عليه السلام لم يشكّ ولم يسأل، وقد وردت الروايات بذلك، إذ كان جوابه عندما نزلت عليه تلك الآية."أنا لا أشكّ ولا أسأل". وحتى لو كان عليه السلام قد توقف أمام هذا الحديث العجيب الذي حوّل حياته وحياة البشرية ومسيرتها الحضارية تحويلاً، فماذا في هذا؟ إنه يدل على أنه لم يخترع الوحي كما يفترى عليه أعداء الإسلام، إذ المخترع لا يشك ولا يتوقف، فضلاً عن أن يعلن هذا على الملأ، وإنما كان يبغي اليقين المطلق، وهذه قمة الموضوعية. وعلى أية حال فإن حرف الشرط"إنْ"الموجود في أول الآية الكريمة موجود أيضاً في أول عبارة بولس:"إنْ بشّرناكم ... إلخ"، فهل يقول المتنطع الجهول إن بولس يعترف بأن من الممكن أن يبشّر أهل غلاطية بغير ما كان يبشرهم فعلاً به؟ ولقد خاطب الله رسوله قائلاً: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} ، ومستحيل في الإسلام وفي منطق العقل أن يكون لله ولد. ألا يرى العبد الفاضي أنه كالحمار يحمل أسفاراً؟

وإني لاستغرب كيف لم يفكر الغبي مثلاً في صيحة عيسى عليه السلام على الصليب حسب مزاعم العهد الجديد:"إلهي: إلهي، لماذا تركتني؟"، إذ ليس لها من معنى إلا أنه لما جَدَّ الجِدّ نسى كل ما اتفق عليه مع أبيه (أو بالأحرى: مع إلهه طبقاً لكلامه هو) من إنه سيُصْلَب تكفيراً عن خطايا البشرية، فأخذ يبكي ويصيح عبثاً دون جدوى! فذلك هو الذي ينبغي أن يشغل ذلك المتنطعُ به نَفْسَه لا بتقحُّم تفسير القرآن برعونة وجهل! هذا، ولا أريد أن أشير إلى اجتراء إبليس على المسيح (وهو الله عندهم) وأخذه إياه إلى قمة الجبل كي يخابر إيمانه، ولا إلى تعميدِ يحيى عليه السلام له، أي تعميد العبد للربّ ... إلخ، وهو كثير!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت