فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 93

{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ...(22)}

23 -والآخر يعيب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى في الآية 21 من"يونس": {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... } ، قائلاً إن الالتفات قد حدث قبل تمام المعنى،"والأصح أن يستمر على خطاب المخاطب" (ص 111) .

وهذا يعني أن ذلك الجاهل يقيم من نفسه معياراً للصحة اللغوية والذوق البلاغي الرهيف، وهو الذي رأيناه يخطئ الأخطاء الفاحشة في أوَليات النحو. أليس ذلك من دواهي الزمن؟ من أين لهذا الجاهل (الذي لو كان الأمر بيدي لعهدت به إلى مدرس خصوصي وأوصيتُه أن يقوّم عوجه وبلادته بالخيزرانة)

من أين له أن الالتفات لا ينبغي أن يُسْتَعْمل إلا إذا انتهت الجملة وبدأت جملة أخرى؟ لذلك لن أراد على هذا السخف وسأكتفي بإظهار المغزى البلاغي والنفسي لهذا الالتفات. والواقع أن في هذا الأسلوب تعبيراً عن الإعراض عن النخاطبين في الآية وإظهار للزراية والإنكار عليهم، فما أكثر ما يولَى الواحد منا صَفْحَهُ أو ظَهْرَه لمن لا يريد أن يستمر في الحديث معه احتقاراً له أو سخطاً عليه وما إلى ذلك، فهذا من ذاك.

وهناك شواهد على ذلك الأسلوب من الكتاب المقدس عند صويحبنا، مثل قول إخوة يوسف لفرعون:"جئنا لننزل بأرضك، إذ ليس لعبيدك مرعًى من اشتداد الجوع في أرض كنعان، فلْيُقِمْ عبيدك بأرض جاسان"، حيث ثم الالتفات من جماعة المتكلمين

إلى جماعة الغائبين قبل تمام المعنى. ومثله قول بني إسرائيل في ابتهالهم لربهم:"قد خطئنا إليك وتركنا إلهنا وعَبَدْنا البعليم"، حيث تحول الكلام من المخاطب في"إليك"إلى الغائب في الاسم الظاهر"إلهنا".

ومثله قول يهوديت:"الربّ يمحق الحروب ... جعل معسكره في وسط شعبه لينقذنا من أيدي جميع أعدائنا"، حيث انتقل الحديث من الغائب المفرد في"شعبه"إلى جماعة المتكلمين عقب ذلك مباشرة في"لينقذنا ... أعدائنا"، وذلك قبل تمام الجملة.

ومثله أيضاً هذا القول المنسوب للسيد المسيح عليه السلام يخاطب تلاميذه:"إنكم أنتم الذين تبعتموني في جيل التجديد. متى جلس ابن البشر على كرسيّ مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً وتدينون أسباط بني إسرائيل الاثني عشر"، حيث تغير الاتجاه من ضمير المتكلم في"تبعتموني"إلى الغيبة في قوله:"ابن البشر". ومثله كذلك قول بولس إلى أهل أفسس:"حين كنا أمواتاً بالزلات أحياناً مع المسيح فإنكم بالنعمة مخلَّصون. وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع"، حيث تحوّل الضمير من جماعة المتكلمين في"كُنّا"إلى جماعة المخاطبين في"إنكم"ثم عاد ثانية إلى جماعة المتكلمين، وذلك كله قبل أن يتم المعنى، فماذا يقول العبد الفاضي في هذا؟ وهناك أمثلة أخرى أكثر من الهم على القلب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت