بلسمها الشافي في أسس عامة، تترسم الإنسانية خطاها، وتبني عليها في كل عصر ما يلائمها، فاكتسب بذلك صلاحيته لكل زمان ومكان، فهو دين الخلود، نظام شامل، يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن، وحكومة وأمة، وهو خُلق وقوة، ورحمة وعدالة، وهو ثقافة ونظام، وعلم وقضاء، وهو مادة وثروة، وكسب وغنى، وهو جهاد ودعوة، كما هو عقيدة صادقة، وعبادة صحيحة.
والإنسانية المعذبة اليوم في كثير من أصقاع الدنيا المضطربة في أنظمتها المتداعية في أخلاقها، لا عاصم لها من الهاوية التي تتردى فيها إلاَّ القرآن {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه: 123 ـ 124) .
المسلمون هم وحدهم الذين يحملون المشعل وسط دياجير النظم والمبادئ الأخرى، فحري بهم أن ينفضوا أيديهم من كل بهرج زائف، وأن يقودوا الإنسانية الحائرة بالقرآن الكريم، حتى يأخذوا بأيديها إلى شاطئ السلام. وكما كانت لهم الدولة بالقرآن في الماضي، فإنها كذلك لن تكون لهم إلا به في الحاضر [1] .
وإنهم ليعلمون أنه حين نزل به الوحي على رسول الله، اهتدت به القلوب المريضة ... واستقام حال الدنيا المعوج، واطمأنت ـ حين صلحت ـ تلك النفوس الضالة المنحرفة عن
(1) القطان، مناع: مباحث في علوم القرآن ص 17: ص 19.