المهتدي عشية من العشايا، فلما كادت الشمس تغرب وثبت لأنصرف، وذلك في شهر رمضان، فقال: اجلس، فجلست، ثم إن الشمس غابت، وأذن المؤذن لصلاة المغرب وأقام، فتقدم المهتدي فصلى بنا، ثم ركع وركعنا، ودعا بالطعام، فأحضر طبق خلاف، وعليه رغف من الخبز النقي، وفيه آنية في بعضها ملح، وفي بعضها خل، وفي بعضها زيت، فدعاني إلى الأكل فابتدأت آكل مقدارًا، أنه سيؤتي بطعام له نيقة، وفيه سعة، فنظر إلي وقال لي: ألم تك صائمًا؟ قلت: بلى، قال: أفلست عازمًا على صوم غدٍ، فقلت: كيف لا, وهو شهر رمضان، فقال: فكل, واستوف غذاءك، فليس هاهنا من الطعام غير ما ترى، فعجبت من قوله، ثم قلت: والله, لأخاطبنه في هذا المعنى، فقلت: ولم يا أمير المؤمنين؟ وقد أوسع الله نعمته، وبسط رزقه، وكثير الخير من فضله، فقال: إن الأمر لعلى ما وصفت والحمد لله، ولكنني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز، وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك، فغرت على بني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله، فأخذت نفسي بما رأيت.
قال القاضي: ولم تزل المنافسة في أعمال البر وأبواب الخير، في أثر المتقين وسبيل الصالحين، وقد وفق الله المهتدي رضوان الله عليه من هذا، لما يرجى له