فالعلم يتبعك حتى بعد موتك، وأمَّا بالنسبة للمال؛ فإنه لا يتبعك بعد الموت، بل إن العلماء رحمهم الله يذكرون في باب الهبة والعطية أن الإنسان إذا مَرِض مرض الموت لا يملك أن يهب إلاّ الثلث فقط، وهذا من صدقة الله عز وجل عليه، وهو حي لا يملك أن يتبرع، لا يملك أن يهب، لا يملك أن يتصدق، لا يملك أن يوقظ، لا يملك أن يوصي إلاّ بالثلث فقط، إذا مرض مرض الموت، وأمَّا الثلثان فإنهما يكونان للورثة، ففرقٌ بين الطالبين، فمن نعمة الله عز وجل ومنّته أن يُهيّئ العبد للتصدي لطلب العلم، والتفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
وهناك وصايا لابد أن يأخذ بها طالب العلم الجاد الذي يريد أن يُلِمّ بشيءٍ من فنون العلم: فمن هذه الوصايا:
أولاً: الإخلاص
يجب على طالب العلم أن يخلص عمله لله، لأن العلم عبادة من أفضل العبادات، وأجلّ القربات، ولهذا ذكر أبو حنيفة أن تعلّم العلم وتعليمه من أفضل العبادات البدنية لما اختلف العلماء رحمهم الله في أيّ العبادات البدنية أفضل.
قال الشافعي: أفضلها الصلاة.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: أفضلها الجهاد في سبيل الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: أفضلها العلم؛ تعلّمه وتعليمه.
ولا شك أن تعلّم العلم وتعليمه من الجهاد في سبيل الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ) ) [5] .
والله عز وجل يقول: (( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ) (التوبة: 122)
فالله جعل المؤمنين طائفتين: طائفة تنفر في الجهاد في سبيل الله، وطائفة تجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم تأخذ عنه سنته، فإذا رجعت الطائفة المجاهدة علّمتها الطائفة القاعدة.