فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 4219

والأساس الفقهي الذي تستند عليه قاعدة التدرج يكمن في قاعدة ترجيح المصلحة الكبيرة على الصغيرة عند تعارضهما، فإن، امتناع الناس عن قبول الخير دفعة واحدة قد يؤدي بهم إلى شقاق لنا يتطور إلى فتنة عارمة، وهي مفسدة كبيرة، نبعدها وننأى عنها باحتمال مفسدة تأخير إعلان وتطبيق الحق الذي يرفضونه.

وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

"إنما نزل أول ما نزل منه -أي القرآن- سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام: نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر. لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا".

ولسنا نريد بذلك التملص من بعض الشرع، فإن الشرع كامل، وكله واجب، ولكننا في تطبيقه على الناس أول أيام حكمنا أو في دعوتنا الناس له قبل أن نحكم، أو في تربية الدعاة عليه: يسوغ لنا أن لا ن تحدث به أو نطبقه دفعة واحدة، بل في خطوات.

ودليلنا على صواب هذا السلوك ما كان من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فإنه خليفة فقيه، وكان قدجاء إلى الحكم بعد مظالم ارتكبها بعض الذين سبقوه، فتدرج ولم يستعجل، فدخل عليه ولده عبد الملك فقال له:

(يا أبت: ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك.

قال: يا بني: إني إنما أروض الناس رياضية الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فينفروا من هذه، ويسكنوا لهذا) [1] .

أي يخرج طمعهم بالموعظة والتأني، ليكون عن قناعة، لا بخوف من السطوة والعقاب.

ويبدو أن هذا الولد الصالح قد حاز حماسة فاقت التي عند أبيه فدعته إلى معاودة الاستغراب من سياسة التأخير والتدرج، فكان منه أن:

(1) كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال/99، والصعب هو فحل الجمل العنيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت