فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 4219

فقلة إدراك بعض متحمسة الدعاة لأصول العمل، وجهلهم بالواقع الذي يحط بهم، يؤدي بهم أحيانًا إلى فهم التأني والتربية المرحلية أو الحذر في الانتقاء على أنهما بطء قيادي وخوف وإحجام عن الإقدام، فيخرجون إلى تهورات ومجازفات يؤكد النظر التحليلي فشلها ابتداء، وينفون معنى الافتتان عنهم، لما هم فيه من تعريض أنفسهم إلى مخاطر قد تصل إلى بذل الروح.

وإنما هو ظن بعيد توهموه، ولو أرادوا مصلحة الدعوة خالصة من دون موافقة الخفي من شهوات أنفسهم لأعدوا لعملهم عدته الاستشارية، ولحرصوا على انتماءاته الخططية، ولكنهم قوم يستعجلون.

ولقد سئل الفقيه التابعي الجليل نافع المدني رحمه الله، مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ووارث علمه، عن تضحية لا يحركها أمر قائد ولا توجبها خطة، فقيل له:

(هل يحمل الرجل إذا كان في الكتبية بغير إذن إمامه؟

فقال: لا يحمل على الكتبية إلا بإذن إمامه) [1] .

وهذا جواب صريح: أن المسلم المنتمي إلى كتبية إسلامية لا يهجم على كتيبة العدو إلا بإذن قائدها.

وظل هذا الفقه يحكم التضحيات، وينظم صرفها قرونًا طويلة، حتى أخذه ابن قدامة الحنبلي، أحد أعلام الفقه المقارن، فقال:

(لا يخرجون إلا بإذن الأمير، لأن أمر الحرب موكل إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه، لأنه أحوط للمسلمين) [2] .

فإذا كان هذا هو الأصل، فمن باب أولى أن يمتنع الذي هفا أول مرة واستعجل وأخطأ فصدر له الأمر بالامتناع، فإنه يظل في استثناء، حتى أن الأمر اللاحق الذي يستنفر الجميع لا يشمله، إلا أن يأذن له القائد إذنا خاصا يلغي منعه الأول، فقد:

(سئل الإمام أحمد عن الإمام إذا غضب على الرجل فقال: أخرج، عليك ألا تصحبني، فنادى بالنفير، هل يكون إذنا له؟

قال: لا، إنما قصد له وحده، فلا يصحبه حتى يأذن له) [3] .

(1) مسند الإمام أحمد، حديث رقم 4873.

(2) المغني 8/ 364.

(3) المغني 8/ 364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت