من عبادة غير الله في شيء أن يبتغي المسلم إلى الله الوسيلة، فلننقل الكلام إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان من العلماء سلفا وخلفا في ابتغاء الوسيلة فنقول وبالله التوفيق وعليه الاعتماد لا رب غيره. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] وهي كل ما جعله الله سببا في الزلفى عنده، ووصلة إلى قضاء الحوائج منه، واتخاذ الوسيلة يسمى توسلا، والتوسل إليه تعالى إما بأسمائه وصفاته وهو ثابت من فعله صلى الله عليه وسلم مروي في السنن والمسانيد، غني بشهرته عن ذكر شواهده في هذا المختصر، داخل في الآية الكريمة. وإما بالأعمال الصالحة المأمور بها شرعا، وإما بالذوات المرضية عنده من الأنبياء والملائكة والصالحين ثم التوسل بالعمل المأمور به على قسمين (أحدهما) : فعله والاتيان به على الوجه الذي أمر به من أداء شرائطه وأركانه وآدابه وتجنب ما يفسده أو يخل به توسلا بذلك إلى قربه سبحانه ورضاه والفوز بما وعد به عباده الصالحين فضلا منه ورحمة. ولا خفاء في أن هذا النوع من التوسل هو ما عليه النبيون والمرسلون والملائكة المقربون وجميع عباد الله الصالحين، ولا ينكره إلا خارج على الأديان السماوية والكتب المنزلة، وهو من أول ما تشمله الآية الكريمة. والقسم الثاني أن يدعو الله بعمله إذا وقع في شدة كما وقع للثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فسال السيل فألقى على الغار صخرة سدت فمه فصاروا لا يستطيعون الخروج، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنه لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح ما عملتم عسى أن يفرج الله عنكم ما نزل بكم، فدعا كل منهم بصالح ما يرجو قبوله من عمله، فحقق الله رجاءهم وفرج كربتهم بفضله وليس هذا من القسم الأول كما لا يخفى، فانهم في الغار لم يعملوا هذه الأعمال بل دعوا بما عملوا، فكان ما نالوا من الفرج ليس مسببا عن العمل نفسه بل عن الدعاء متشفعين إلى الله به. وحديث قصتهم صحيح بل مشهور مستفيض أخرجه البخاري في صحيحه وغيره من الأئمة، فالآية الكريمة تشمله أيضا.