فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 133

لآلهتهم خلقا ولا رزقا ولا تدبيرا للأمر، فهم يعتقدون فيها غير ذلك من خصائص الألوهية وهو وجوب نفوذ مشيئتها، فإنهم يرون أن شفاعتها مقبولة لا ترد وليست متوقفة على إذنه تعالى عما يقول الجاهلون به علوا كبيرا. ولذلك قال الله تعالى في سيدة آي القرآن ردا على هذا الزعم {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] قال القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيرها: بيان لكبرياء شأنه ولأنه لا أحد يساويه أو يدانيه يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا أن يعارضه عنادا ومناصبة. أهـ. فانظر إلى قوله (( يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة ) )تجده صريحا في اعتقاد وجوب مشيئتها معه عز وجل، ووجوب نفوذ المشيئة من خصائص الربوبية كما لا يخفى. وهذا النوع من الشفاعة هو الشفاعة الشركية وهي التي أبطلها القرآن، فإن اعتقادها كفر، كما قال تعالى، {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ} [الزمر: 43] الآيتين. فانظر إلى قوله {مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة: 23] وكما قال الله تعالى {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب: 17] أما الشفاعة التي يعتقدها أهل التوحيد وجاء بها الكتاب والسنة فهي بعيدة من هذا بعد الإيمان عن الكفر والنور عن الظلمة، وهي دعاء الشافع للمشفوع فيه فيستجيب بفضله لمن شاء، وهو معنى الاستثناء في قوله تعالى {إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] والمراد هنا بالإذن الرضا كما قال في الآية الأخرى {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وكقوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] وبهذا يتبين لك الفرق بين ما أثبته القرآن من الشفاعة وبين ما نفاه منها، وهو ما كان بغير إذنه ورضاه، جل أن يكون في ملكه إلا ما يشاء، أما الشفاعة بإذنه ورضاه من عباده المصطفين الأخيار لعصاة الموحدين فهي جائزة بل واقعة لثبوتها بالتواتر وليس فيها محذور، واعتقادها من الدين، فإنها من باب الدعاء وهو تعالى يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. وعسى أن يكون قد وضح لك إن شاء الله ما هو معنى العبادة شرعا، وحينئذ تعلم أنه ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت