فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 133

فانظر إلى هذه التسوية التي اعترفوا بها حيث يصدق الكذوب، ويندم المجرم حين لا ينفعه ندم. فإن التسوية المذكورة إن كانت في إثبات شيء من صفات الربوبية فهو المطلوب، ومن هذه الحيثية شركهم وكفرهم، لأن صفاته تعالى تجب لها الوحدانية بمعنى عدم وجود نظير لها في سواه عز وجل، كما مر مفصلا في المقصد. وإن كانت التسوية في استحقاقها للعبادة فهو يستلزم اعتقاد الاشتراك فيها به الاستحقاق، وهو صفات الألوهية أو بعضها، وإن كانت في العبادة نفسها فهي لا تكون من العاقل إلا لمن يعتقد استحقاقه لها كرب العالمين، تعالى الله عما يشركون. وكيف ينفى عنهم اعتقاد الربوبية بآلهتهم وقد اتخذوها أندادا وأحبوها كحب الله كما قال تعالى فيهم {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] والأنداد جمع ند وهو على ما قاله أهل التفسير واللغة المثل المناوي، فهذا ينادي عليهم أنهم اعتقدوا فيها ضربا من المقاومة للحق تعالى عما يقولون. أما قوله تعالى فيهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] ونحوه فليس معناه أنهم لا يثبتون لآلهتهم ربوبية ولا خاصة من خواصها، بل معناه أنهم إذا نوقشوا اعترفوا بالحق الذي فطر الله عليه النفوس، ودلت عليه الكائنات، ثم ما أصرع ما يرجعون إلى اعتقاد الربوبية الباطلة آلهتهم، فينتكسون ويرتكسون كما قال عنهم في آية أخرى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} [النحل: 83] وكقوله تعالى في طائفة منهم {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} [النساء: 91] وليس ذلك بعجيب ممن اتخذ إلهه هواه وإنك لتشاهد بين أهل الأهواء من تناقشه في بدعته ويصغي إليك فيقتنع بالحجة وقت المناقشة ويعترف بمخالفته للحق وتظهر فيه مخايل الإنصاف، فإذا انقضى المجلس عاد إلى ما ألف من الهوى، وارتكس في بدعته كأن لم يكن بينك وبينه نقاش ــ إلا من رحم الله ــ وقد رأينا ذلك كثيرا في كثير ممن لقينا من أهل الأهواء ــ نسأل الله العافية بفضله ــ على أنه لو سلم أنهم لم يعتقدوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت