فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 133

دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صليت له، وسر ذلك هو أن هذا الخضوع الممثل في قيامك وقعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعت له عز وجل. وتدعو رئيسك في عمل من الأعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك أو يغيثك من أزمة نزلت بك وأنت معتقد فيه أنه لا يستقل بجلب نفع أو دفع ضر، ولكن الله جعله سببا في مجرى العادة يقضى على يديه من ذلك ما يشاء فضلا منه سبحانه، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعو وأنت على ما وصفنا، فإن دعوته وأنت تعتقد فيه أنه مستقل بالنفع أو الضر أو نافذ المشيئة مع الله لا محالة، كنت له بذلك الدعاء عابدا، وبهذه العبادة أشركته مع الله عز وجل، لأنك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية، فإن الاستقلال بالجلب أو الدفع ونفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية، والمشركون إنما كفروا بسجودهم لأصنامهم ونحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع أو الضر ونفوذ مشيئتهم لا محالة مع الله تعالى، ولو على سبيل الشفاعة عنده، فإنهم يعتبر ونه الرب الأكبر ولمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيته، وبمقتضى ما لهم من الربوبية وجب لهم نفوذ المشيئة معه لا محالة. ويدل لما قلنا آيات كثيرة كقوله تعالى (أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن؟ إن الكافرون إلا في غرور) وقوله {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43] والاستفهام في الآيتين إنكاري على سبيل التوبيخ لهم على ما اعتقدوه. وحكى الله عن قوم هود قولهم له عليه السلام {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] وقوله لهم {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} [هود: 55، 56] الآية وكقوله تعالى موبخا لهم يوم القيامة على ما اعتقدوه لها من الاستقلال بالنفع ووجوب نفوذ مشيئتها {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ} [الشعراء: 92، 93] وقولهم وهم في النار يختصمون يخاطبون من اعتقدوا فيهم الربوبية وخصائصها {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97، 98]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت