روايته إلى هذا المعنى، يعني أن الاستواء معلوم الورود في الكتاب، فيرجع إلى قوله في الرواية السابقة (( الاستواء مذكور ) )وقوله: والكيف مجهول. أي لا تعلم له ماهية بالمعنى المتعارف، ولا يعقل له وجود فيما يتعلق بجناب الحق جل وعلا، فيرجع إلى قوله في تلك الرواية (( والكيف غير معقول ) )لا أن هناك كيفا وصفة لذلك الاستقرار لكنها لا تعلم، فان أصل الاستقرار والتمكن لا وجود له، فضلا عن صفته، ومن ظن بالإمام سوى هذا فقد غلط، كيف لا وقد ثبت النقل عنه أنه سئل عن حديث النزول فقال (( هو نزول رحمة لا نزول نقلة ) )وممن ذكر ذلك عنه أبو بكر بن العربي. وكان رضي الله عنه لا يعجبه من المحدث ان يحدث العامة بهذا الحديث وأشباهه مما يوقعهم في ورطة التشبيه، وله رضي الله عنه في هذا وجه وجيه، ونظر سديد. ويؤيده من السنة ما روى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه سأله صلى الله عليه وسلم عن حق الله على عباده وحق العباد عليه تعالى الحديث، وفيه (( أفلا أخبر الناس ) )؟ يعني العامة فقال صلى الله عليه وسلم (( إذا يتكلوا ) )فقد منع صلى الله عليه وسلم (( العالم من تعليم بعض العلم، إذا لم يكن لمتعلم يحسن فهمه ويتأوله على غير وجهه، فانه حينئذ يكون ضلالا له، ووبالا عليه. ووقع نحو هذه القصة لأبي هريرة رضي الله عنه أخرجها البخاري رحمه الله تعالى بطولها. وكذلك قال الإمام الأجل أبو عبد الله الشافعي رضي الله عنه (( آمنت بما جاء عن الله على مراد الله. وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله ) )يعني رضي الله عنه لا على ما تفهم العامة من المعاني الحسية الجسمية. ونقل ابن الجوزي في كتابه (( دفع شبه التشبيه ) )عن الإمام أحمد رضي الله عنه نحوا من هذا، فرد أبلغ الرد على المنتسبين إليه الناسبين له ما هو براء منه، ولهذه الفتة ولع شديد بافتراء الأباطيل ونسبتها إلى أكابر أئمة هذه الأمة، ولو استقريت القرون منذ نجمت هذه البدعة لرأيت في كل قرن إلى زمانك هذا من هذه الطائفة فلولا تشاغب وتموه وبأزائهم جيوشا من أهل