قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65) . وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (الأحزاب: 36) .
إن شريعة الله - سبحانه وتعالى - صالحة لكل زمان ومكان ويكفي أنها من عند الله - عز وجل -، وهذا الأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، ولكن هناك مَن يتعامى عن هذه الحقيقة الواضحة؛ فهم كما قال المتنبي:
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَفْهَامِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَهَارُ إِلَى دَلِيلِ
إن الشريعة الإسلامية ما شرعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، أي في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد والاضرار عنهم في العاجل والآجل أيضًا، حتى إن بعض الفقهاء قال - وقوله حق: «إن الشريعة كلها مصالح، إما درء مفاسد أو جلب مصالح» .
ودرء المفسدة لا شك في أنه وجه من وجوه المصلحة؛ لأن المصلحة لها وجه إيجابي وهو جلب نفع لم يكن، ووجه سلبي وهو دفع ضرر أو مفسدة. وجميع الأحكام بلا استثناء مصالح لا يخرج منها أي حكم كان سواء أكان من أحكام الاعتقادات أو العبادات أو غير ذلك.
نعم، قد يجهل البعض تفاصيل المصلحة في حكم من الأحكام، ولكن هذا الجهل ليس بحجة على انتفاء المصلحة، فإن الإنسان قد يجهل تفاصيل منفعة دواء ولكن جهله به لا يمنع من تحقيق المصلحة فيه، فإذا كان هذا واقعيًا فيما يضعه إنسان فكيف لا يكون فيما يضعه خالق الانسان؟ هذه واحدة.
والثانية أن المصلحة المقصودة في التشريع الإسلامي لا تقتصر على مصالح الدنيا وإنما تتجاوزها إلى مصالح الآخرة أي إلى إعداد الانسان للظفر بالسعادة الدائمة بالجنة.