يقول تعالى مبينا فضل القرآن الكريم على سائر الكتب المنزلة: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا} من الكتب الإلهية {سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} عن أماكنها {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ} ... جنانا وأنهارا {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} لكان هذا القرآن. {بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} فيأتي بالآيات التي تقتضيها حكمته، فما بال المكذبين يقترحون من الآيات ما يقترحون؟ فهل لهم أو لغيرهم من الأمر شيء؟
فهذا هو أثر القرآن على الجبال والأرض والموتى فيما لو خاطبها الله به وكلّفها به وأمرها بتنفيذ ما فيه ولكنّ الله الحكيم سبحانه ما أراد ذلك، لقد شاء أن يكون القرآن خطابًا للبشر الأحياء ذوي القلوب والنفوس والمشاعر والأحاسيس فلماذا لا يتفاعلون معه؟ ولماذا لا يسعدون معه؟
وأخبرنا الله تعالى عن أثر القرآن الكريم على الجبل - فيما لو خاطبه به - فقال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الحشر: 21) .
فإنّ هذا القرآن لو أنزله الله - سبحانه وتعالى - على جبل لرأيته خاشعًا متصدّعًا من خشية الله لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها.
الجبل الجامد يتأثّر بالقرآن لو أنزله الله عليه، سيتصدّع هذا الجبل من تأثير القرآن ويخشع هذا الجبل من خشية الله، ولكن الله تعالى ما شاء ذلك، إنما شاء إنزال القرآن على بشر وليس على جبل، فأنزله على قلب سيّد الخلق محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وتأثّر بالقرآن وتفاعل معه. وهذا القرآن خطاب للإنسان، فلماذا لا يتأثّر كيانه بهذا القرآن، ولماذا لا يخشع قلبه من خشية الله منزّل هذا القرآن؟