والثاني أيضا باطل. لأن على هذا القدير، يجوز حصول ذلك المعنى، عندما لا يكون ذلك الجوهر حاصلا في ذلك الحيز. وذلك يقتضي جواز حصول العلة منفكة عن معلولها. وهو محال. فتعين أن تعليل انكائنية بالمعنى، يفضي إلى أحد هذين الباطلين. والدليل عليه أنا بينا أن كون العرض قائما بالجوهر، معناه حصول ذلك العرض في ذلك الحيز تبعا لحصول محله فيه. فلو كان حصول الجوهر في ذلك الحيز معللا بمعنى قائم به، لكان حصول ذلك الجوهر، في ذلك الحيز، تبعا لقيام ذلك المعنى، من حيث أن المعلول تبع للعلة. فيلزمه كون كل واحد منهما تبعا للآخر. وهو محال (ولقائل أن يقول: أن عنيت بالتوقف آخر الموقوف عليه: لا يلزم وهذه الحجة فيها بحث.
القسم الثالث من أقسام الممكنات: الشيء الذي لا يكون متحيزا، ولا يكون قائما بالمتحيز واعلم: أن جمهور الفلاسلة يثبتون هذا القسم. وجمهور المتكلمين ينكرونه. وأقوى دلائل المنكرين: أن قالوا: لو حصل موجود سوى الله تعالى بهذه الصفة، لكان ذلك الموجود مساويا لذات الله تعالى، في أنه ليس بمتحيز، ولا قائم بالمتحيز. ولو حصلت المساواة في هذه الصفة لحصلت المساواة في تمام الماهية ولو حصلت المساواة في تمام الماهية، لزم القول بأنه أما يكون الواجب ممكنا أو يكون الممكن واجبا. وكل ذلك محال.
واعلم: أن هذه الحجة ضعيفة. وذلك لأن الاستواء في كونه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز، استواء في مفهوم سلبي. والاستواء في المسلوب، لا يوجب الاستواء في الماهية. لأن كل ماهيتين مختلفتين فلا بد وأن يتشاركا في سلب كل ما عداهما عنهما وإذا بطلت هذه المقدمة، سقطت هذه الحجة.