قِيل لأَبِي سَعِيد أَحمدَ بنِ دَاوُدَ الحَدَّادِ: إِلى كَمْ تَكْتُبُ الحَدِيثَ؟ قال: «أُخْرِجُ جِذْعًا وأُدْخِلُ سَاجَةً» .
أخرج ابن عدي في «الكامل» (1/ 264) قال: حَدَّثَنَا عَبداللَّهِ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ الأَشْعَثِ: حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ عَبدالمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ، قَال: قِيل لأَبِي سَعِيد أَحْمَدَ بنِ دَاوُدَ الحَدَّادِ: إِلَى كَمْ تَكْتُبُ الحَدِيثَ؟ قال: «أخرج جذعًا وأدخل ساجة» .
وأخرجه الخطيب في «تاريخه» [تحقيق بشار] (5/ 229) من طريق مُحَمَّد بن العَبَّاس الخزاز، عن أَبي بَكْر بن أَبِي دَاوُد - وهو عبدالله بن سليمان بن الأشعث -، به.
قلت: كلمة الحداد شيخ الإمام البخاري - رحمهما الله- هذه تصحفت في كلّ طبعات الكتابين!
والساج نوع من أنواع الخشب في الهند، غالي الثمن، عظيم الجودة، يُستخدم في البناء وخاصة في بناء السفن لقوته ومتانته وثقله في الماء.
وفي «تهذيب اللغة» (11/ 98) :"الساجةُ، الخَشَبة الوَاحدة المشَرْجَعَةُ المُرَبّعة كَمَا جُلِبت من الهِنْد، وجَمْعها السَّاج."
وقَالَ ابن الأعرابيّ: يُقَال للسَّاجَة الَّتِي يُشَقُّ مِنْهَا البَاب: السَّلِيجَة"."
وفي «البناية شرح الهداية» (11/ 214) :"الساجة بالسين المهملة وتخفيف الجيم: خشبة عظيمة. وقيل: خشبة منحوتة مهيأة للأساس، والأصح أنها خشبة صلبة قوية تجلب من بلاد الهند لها، ثم تعمل منها الأبواب".
والجِذْعُ بِالكَسْرِ: سَاقُ النَّخْلَةِ، وَيُسَمَّى سَهْمُ السَّقْفِ جِذْعًا، والجَمْعُ: جُذُوعٌ وَأَجْذَاعٌ.
ومعنى قول الحداد - رحمه الله- أنه كلما تقدّم في العلم وكتابة الحديث فإنه يتحصّل له فوائد من رفع موقوف أو وصل مرسل ونحو ذلك، فكأنه يُخرج الجذع الهش من بناء بيته ويضع مكانه ساجة قوية، وهكذا العلم إذا تحصلت فائدة فإنها تزيد من شأن المحدِّث وترفع قدره ليكون ممن يؤخذ عنه العلم لمتانة ما عنده وقوته وذلك أنه لا يزال يجتهد في زيادة علمه.
فالمعنى العام المقصود من كلمة الحداد هذه أنّ طالب العلم لا يقف عند حدّ معين في العلم، فما زال الإنسان يتعلم ويصحح ما كان عنده من أشياء ليست بصحيحة أو محققة، وفي ذلك دعوة لطلبة العلم أن لا يغتروا بما علموه ولا يقفوا عند ذلك، ويجب المواظبة على التحصيل لتصحيح المعلومات وترسيخ المفاهيم حتى يفارق هذه الدنيا كما قال الإمام أحمد «مع المَحبرة إلى المقبرة» .
والحداد كان دائم السؤال والاستفهام، فقد روى أَحْمَد بن سنان، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيد الحداد، يَقُولُ: استفهمت عَبْدالرَّحْمَن بن مَهْدِيّ يومًا، فَقَالَ لي: كم تستفهم؟ فقلت لَهُ: إن لكل شيء رجحان، ورجحان الحديث الاستفهام، فضحك عَبْدالرَّحْمَن، أو كَمَا قَالَ.
فهذا تفسير قوله - رحمه الله-، فكلّما تحصّل فائدة أو فهمًا فكأنه أخرج ما كان ضعيفًا ووضع مكانه الشيء الثابت القوي.
وليس المقصود أنه يكتب العلم حتى الموت، فهذا أمر مشهور ومعروف عند أهل العلم، وقد قيل لسهل بن عبدالله التُّسْتَرِيّ، شيخ الصوفية: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قَالَ:"حَتَّى يموت، ويُصبُّ باقي حبره في قبره".
وهذا المعنى لا يختلف فيه أهل العلم، لكن الذي قصده الحداد ليس هذا، وإنما قصد ما ذكرناه آنفًا، ويؤيده أنه قيل لعبدالله بن المبارك: يا أبا عبدالرحمن: إلى متى تكتب هذا الحديث؟ فقال:"لعل الكلمة التي انتفع بها ما كتبتها بعد".
فالذي قصده الحداد هو الانتفاع بهذا العلم، فكلما حصّل فائدة قوي علمه. والأخ لم يُدقق في اللفظ:"أخرج"و"أدخل"، و"جذعًا"و"ساجة"، فهذه كلمات متقابلة تبيّن المعنى، فمقابل الخروج: الدخول، ومقابل الجذع: الساجة، والجذع والساجة يذكران على الحقيقة المعروفة عند السامع لا معنى آخر إلا بقرينة، فلا تُحمل كلمة"جذعا"إلى معنى آخر إلا بقرينة! فالأصل أن الجذع هو خشب النخلة وهو ليس بمتانة خشب الساج! ولهذا قابلهما الحداد في كلامه.
وعادة ما يُذكر الجذع والساجة في سياق واحد. فقد روى الخطيب في «تاريخه» (14/ 124) من طريق أَبي العيناء، قَالَ: كنت عند ابن أبي دؤاد بعد قتل ابن الزيات، فجيء بالجاحظ مقيدًا، وكان في أسبابه وناحيته، وعند ابْن أبي دؤاد مُحَمَّد بْن منصور، وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخوزستان، فقال ابْن أبي دؤاد للجاحظ: ما تأويل هذه الآية {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} ، فقال: تلاوتها تأويلها أعز اللَّه القاضي.
فقال: جيئوا بحدّاد، فقال: أعز اللَّه القاضي ليفك عني أو ليزيدني؟ فقال: بل ليفك عنك، فجيء بالحداد فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ، ويطيل أمره قليلا، ففعل فلطمه الجاحظ، فقال: اعمل عمل شهر في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة في لحظة، فإن الضرر على ساقي، وليس بجذع ولا ساجة، فضحك ابْن أبي دؤاد وأهل المجلس منه، وَقَالَ ابْن أبي دؤاد لمحمد بْن منصور: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه.
والفقهاء عندما تكلموا على مسائل الغَصْب ذكروا"غصب الساجة والبناء عليها أو حولها"في كتبهم؛ لأنها تكون مُعدّة للأساس. وإنما تكلموا عليها لأنها ثمينة بخلاف الجذوع.
والحداد لا شك أنه تكلّم أمام أُناس يعرفون اللغة ويعرفون مقاصد الكلام، ففهموا قصده؛ لأنه أتى بشيء من بيئتهم يعرفونه، ولا يحتاج لأن يوهم في كلامه.
وليست المسألة حول المدة الزمنية التي يطلب فيها الحديث! فالمدة الزمنية لطلب الحديث قد انتهت بالنسبة له، فهو قد طلب وكتب، وهذا واضح من السؤال إذ هو من كبار الشيوخ، ولكن السؤال عن استفهامه لبعض الأمور ومناقشته لأقرانه كما مر مع عبدالرحمن بن مهدي، وطلبه لأشياء ليست عنده، ولهذا جاء بهذا الجواب عن ذلك السؤال، وأنه كلما استفاد شيئاَ جديدًا كلما قويّ علمه.
ثمّ أفادني الأخ الدكتور (محمد الحنبرجي) جزاه الله خيرًا أنّ ابن حبان روى في كتابه «المجروحين» قال: حدثني محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا الأخفش قال: حدثنى بعض البصريين قال: رأيت أبا سعيد الحداد يكتب أصناف - أي مصنّفات - حماد بن سلمة عن هذا، ثم يجيء فيعرضها على نسخ أخر وفي رواية: فيعرضها على شيخ آخر-، فقلت له في ذلك، فقال:"اسكت أخرج جذعا أدخل ساجة". وقد ذكره ابن حبان في مقدمة كتابه في معرض بيان تفتيش العلماء في الحديث.
وقد جاء في المطبوع من نسخة حمدي السلفي (1/ 34) :"جِزعًا"، وفي نسخة محمود إبراهيم زايد (1/ 31) :"حِزْعًا"! مع أن المحقق محمود زايد فسّرها في الهامش على أنها"جذعا"، فقال:"الجذع ساق النخلة وبه سمي سهم السقف، والساج خشب سودرزان لا تكاد الأرض تنبتها تجلب من الهند. يقال: رأيت في أساس بيته ساجة، والمعنى واضح أنه يستبدل هشًا بصلب قوي متين".
وما نقله ابن حبان يُبيّن المعنى الذي جاء في رواية ابن عدي في «الكامل» فهي مُفسرة لها، وقد أصاب محقق كتاب ابن حبان في تفسيره لكلام الحداد.
·…ضبط د. بشار معروف لها:
وقد ضبطها الدكتور بشار أثناء تحقيقه لكتاب الخطيب هكذا:"أخرج جَذعا وأدخل ساحه"! لم يضبط إلا حرف الجيم في"جذعا"بالفتح!!
وقال في الهامش:"ولعله يريد: أخرج جديدًا كما بدأت وأدخل ساحه، وقد تقرأ: (ساحة) أي: ناحية".
قلت: وهذا لا معنى له!! ولا علاقة للساحة هنا بهذا الجواب!!!
·…ضبط الشيخ السرساوي لعبارة الحدّاد، وكلمة حول تحقيقه لكتاب ابن عدي!
وكما ذكرت فإن هذه العبارة قد تصحفت في كثير من طبعات الكامل وتاريخ بغداد، وقد ضبط الشيخ الدكتور مازن السرساوي هذا النص في طبعته لكتاب ابن عدي (1/ 374) برقم (959) : «أَخْرُج جذعًا، وأَدْخُلُ ساجَةً» ! وهذا الضبط خطأ! لأنه جعله صفة لقائله وهو الحداد! أي أنه يخرج جذعًا ويدخُل ساجة! وهذا لا معنى له! فكيف يخرج جذعا ويدخل ساجة؟!! والصواب - إن شاء الله- ما قدّمناه أن هذا وصف لما يكتبه من الحديث، ولهذا شبهه بإخراجه الجِذع وإدخال الساجة مكانه كلما تقدم في تحصيل الحديث وفوائده.
والذي أراه أن الشيخ السرساوي اعتمد في طبعته على النسخة المُشكلة الموجودة في الموسوعة الشاملة فهي مضبوطة هكذا!!
وقد تتبعت كثيرًا من أجزاء الكتاب فوجدته - للأسف- قد اعتمد على تلك الموسوعة، وكأنه ليس له من عمله إلا إعادة صفّ الكتاب والترتيب والترقيم، وإصلاح ما وقف عليه من بعض التصحيفات والتحريفات!
وثمة أمر مهم في تحقيق الكتاب أن حواشيه قليلة، ومع أنها بهذا الوصف إلا أن معظم ما فيها إنما هو الإحالة إلى ترجمة الرواة الذين يترجم لهم ابن عدي إلى كتب متأخرة ككتاب ابن الجوزي في الضعفاء، وتذهيب الكمال، والميزان، وغيرها، ولا شك أن كتاب ابن عدي أصل، فلا يُشار إلى هذه الكتب إلا إذا أخذنا منها بعض الفوائد، وغير ذلك مما قد نفرده بمقالٍ خاص إن شاء الله.
وكذلك فإنه في تحقيقه لكتاب العقيلي في الضعفاء اعتمد أيضًا النسخة الموجودة في الموسوعة الشاملة حيث أنها مشكولة كلها، وتحقيقه مشكول كذلك، ولا تجد فيه موضعًا ليس كذلك؛ لأنه أخذه من الشاملة كاملًا!!
والاعتماد على نسخ النصوص من الشاملة لا ضير فيه، لكن أن يؤخذ الكتاب كلّه وادّعاء تحقيقه فهذا لا يليق بطلبة الحديث!!! والتعليقات في كلا الكتابين أكثرها بالعزو للكتب التي يخرجون منها، والأصل في التحقيق إضافة لضبط النص هو شرحه، وبيان مقاصد مؤلفه، وترجيحه فيما يذكره في الرواة وأحاديثهم، وغير ذلك من الفوائد التي يحتاجها طالب الحديث.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.