بقلم: خالد الحايك.
قال اللكنوي في كتابه (( الرفع والتكميل ) ) (ص212) :"إيقاظ -8 - في بيان مراد ابن معين من قوله في الراوي: ليس بشيء".
قال:"كثيرًا ما نجد في (( ميزان الاعتدال ) )وغيره في حقّ الرواة -نقلًا عن يحيى بن معين-: (( إنه ليس بشيء ) ). فلا تغتر به، ولا تظنّنَّ أن ذلك الراوي مجروحٌ بجرح قويّ. فقد قال الحافظ ابن حجر في (( مقدمة فتح الباري ) )، في ترجمة (عبدالعزيز بن المختار البصري) : ذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين من قوله: (ليس بشيء) ، يعني أن أحاديثه قليلة. انتهى. وقال السخاوي في (( فتح المغيث ) ): قال ابن القطان: إن ابن معين إذا قال في الراوي: (ليس بشيء) ، إنما يريد أنه لم يرو حديثًا كثيرًا". انتهى.
وقد علّق الشيخ عبدالفتاح أبو غدة على هذا فقال:"قلت: في نقل المؤلف لكلام الحافظ ابن حجر بعض الاختصار، وتمام كلام الحافظ: (( وثقه ابن معين في رواية، وقال في رواية: إنه ليس بشيء. قلت: احتج به الجماعة، وذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين بقوله في بعض الروايات: ليس بشيء، يعني أن أحاديثه قليلة جدًا ) ). انتهى."
قلت: -أي أبو غدة- أشار الحافظ ابن حجر بما نقله عن ابن القطان إلى أنه ليس هناك تناقضٌ بين قولَيْ ابن معين في هذا الراوي. وقد غاب هذا الاصطلاح عن الحافظ ابن عدي، فاستدرك على ابن معين في بعض التراجم فأخطأ، جاء في (( تهذيب التهذيب ) )9:412، في ترجمة (محمد بن قيس الأسدي الكوفي) : (( قال البخاري عن علي بن المديني: له نحو عشرين حديثًا. قال أحمد: كان وكيع إذا حدثنا عنه قال: وكان من الثقات، وقال أحمد: ثقة لا يُشك فيه، وقال ابن معين وعلي بن المديني وأبو داود والنسائي: ثقة. وقال ابن عدي بعد أن نقل قول ابن معين:(ليس بشيء) : هو عندي لا بأس به". انتهى."
قال أبو غدة:"قول ابن معين فيه: (ليس بشيء) ، يعني به: أحاديثه قليلة، كما تقدم عدها في كلام ابن المديني، بدليل أنه -أي ابن معين- وثقه كما سبق ذكره. فقول ابن عدي تعقيبًا واستدراكًا: (هو عندي لا بأس به) ، ناشئ من ذهوله عن مصطلح ابن معين في هذا اللفظ، والله أعلم". انتهى.
قلت: هكذا قرر الشيخ أبو غدة، ثُم قال:"لكن هذا القصد في عبارة ابن معين الظاهر أنه غير مطرد، فقد جاء قوله: (ليس بشيء، ولا شيء) في مواطن عديدة من كلامه مرادًا به تضعيف الراوي، لا بيان قلة أحاديثه، وإليك بعض تلك المواطن".
ثُم ساق الشيخ أربعة تراجم تدل على ما قرره، ثم قال:"وعلى هذا: ينبغي أن يقال: الغالب من حال ابن معين أنه يقصد بقوله: (ليس بشيء) أن أحاديثه قليلة، ومن غير الغالب يريد به تضعيف الراوي، هكذا كنت رجحت أول الأمر في بيان المراد من قول ابن معين في الراوي: (ليس بشيء) ، أنه ينبغي أن يقال: الغالب أنه يريد به أن أحاديثه قليلة، ومن غير الغالب يريدُ به تضعيف الراوي. ثُم ترجّحَ عندي الآن -بما وقفت عليه من شواهد كثيرة سأسوقها- الجزم بأن قول ابن معين في الراوي: (ليس بشيء) يعني به ضعف الراوي، وقد يعني به قلة أحاديثه (في بعض الروايات) على حد تعبير ابن القطان الذي نقلته".
ثُم ذكر الشيخ أمثلة على ذلك، ثم قال:"فهذه واحدٌ وثلاثون شاهدًا وقفت عليها مصادفة خلال اشتغالي ومراجعاتي تدل أوضح الدلالة على أن ابن معين يريد فيها من قوله في الراوي: (ليس بشيء) ضَعْفَه وسُقوطَه لا قلة أحاديثه ... ثُم أقول تأييدًا لهذا الفهم الذي جزمت به: إن معنى التضعيف من هذه الجملة (ليس بشيء) ، هو المعنى الحقيقي لها، والمستعملة فيه، فلا يعدل عنه إلا بقرينة صارفة تدل على أنه يريد من هذه الكلمة قلة أحاديث الراوي لا تضعيفه". انتهى كلام أبي غدة.
قلت: واضح أن الشيخ أبي غدة كان مضطربًا في مذهبه في معنى قول ابن معين هذا! فأيد قول ابن القطان في أنه يريد به قلة حديثه، وعاب على ابن عدي أنه ذهل عن مصطلح ابن معين، واستدراكه على ابن معين فيه نظر! ثم عَدل عن هذا الرأي وقال بأن ابن معين يقصد في الغالب قلة حديث الراوي وأحيانًا يضعف الراوي بهذه الكلمة! ثم عدل عن هذا فقال بأن ابن معين يريد بهذه الكلمة تضعيف الراوي ولا يُصار إلى معنى قلة حديث الراوي إلا بقرينة!
قلت: قصد ابن معين بقوله في الراوي: (ليس بشيء) هو التضعيف الحقيقي، ولا يوجد قرائن تصرف قوله إلى معنى قلة الأحاديث! فإن كان عند الشيخ أبي غدة وغيره بقرائن فليأتوا بها! وإنما حمل بعض أهل العلم القول بأن ابن معين يريد قلة حديث الراوي بهذه الكلمة من أجل حلّ التناقض في قوله في الراوي نفسه. فأحيانًا يوثقه في رواية، ثم يضعفه في أخرى، فحاول ابن القطان حلّ بعض هذا التناقض بأنه يقصد بقوله (لا شيء) يعني قلة حديثه! ولا دليل على ذلك ألبتة. وحلّ التعارض أن ابن معين وثق الراوي أولًا ثم تغير اجتهاده فضعفه.
فها هو الواقدي قال فيه ابن معين:"ليس بشيء"، وكان الواقدي كثير الحديث. وهناك رواة قال فيهم ابن معين ليس بشيء، وأحاديثهم موضوعة، وبعضهم أحاديثه قليلة.