ولما انتقل إليها؛ كان الشيخ العالم الصالح، المتفنن النفاع؛ الأستاذ أبو محمد الحسن بن محمد الهداجي؛ المعروف بالدراوي - نسبة إلى درعة؛ القطر المعروف في لسان العامة بدرا، ورأيته بخطه: الدراوي بألف بعد الراء - يعتاد زيارته؛ فقال له يوما: (( يا سيدي؛ اقبلني لله ) ). فقال له الشيخ أبو المحاسن: (( أو استحسنت ما نحن فيه من طريقة الفقراء؟! ) ). فقال الشيخ: (( من لم يستحسن ما أنتم فيه فما الذي يستحسن؟! ) ). فقال له الشيخ أبو المحاسن: (( تعال إلى أمر لي ولك فيه قصد، ولا تفوتك فيه ثمرة قصدك؛ وهو: أن نعقد الأخوة في الله تعالى، ونتشاطر أعمالنا ) ). فقال له الشيخ أبو محمد: (( يا سيدي؛ لك الفضل فيما تفعله ) ). وأكب عليه؛ فتعاقدا على ذلك، فلقد رأيته عند الشيخ أبي المحاسن وهو يباسطه ويقول له: (( مرحبا بشريكي ) ).
وكان الشيخ أبو محمد من أهل العلم والتفنن فيه، والعمل الصالح والنية الصالحة، والزهد، نفع الله به خلقا كثيرا من طلبة العلم، وكان رفيقا بهم، حريصا على نفعهم، ميسرا عليهم، دؤوبا في جميع نهاره على التجويد بالإفراد والجمع [1] ، وتدريس أنواع العلوم، حتى توفي بالطاعون، وصلي عليه في صلاة الجمعة الخامس عشر من شعبان سنة ست وألف، ودفن خارج باب الفتوح. وبنيت عليه هنالك قبة، وقبره مشهور؛ يزار ويتبرك به.
(1) أي: إفراد القراءة برواية من الروايات كورش مثلا، أو جمعها مع القراءات السبع.