وكان يطرز ما يلقيه من أنواع العلوم بنكت صوفية، وإشارات عرفانية، وإنشادات رقيقة، وحكايات رشيقة، يصدر ذلك عن قلب معمور، ولسان مأمور، وحال غالب، ووقت طالب .. فيبرز عليه كسوة القلب الذي منه برز؛ فيشرق نوره في سامعيه، ولم يخل من حاله من يحضره ومن يعيه، ونفع الله به خلقا كثيرا، وتخرج به كثير من أهل الطلب، وسرت المعرفة بأمور الدين في العامة، وسرى ذلك إلى من إلى نظرهم من أهل وولد، فاستقل في ذلك القصر برياسة العلم والدين، منفردا في ذلك إماما متبوعا، وأقام على ذلك بالقصر أزيد من عشرين سنة مواظبا على نشر العلم وإفادته، وما قبض على ذلك قط فلسا فصاعدا من أجرة أو معونة، إنما كان عمله ذلك لله تعالى.
وجيء إليه مرة [11] بظهير على يد صاحب البلد بمعونة على ذلك؛ فما مسه بيده، وتوقاه توقي الأفعى، فبقي مطروحا. وكان ذلك آخر عهده به.
وكان له حرص عظيم على تحصيل العلم ونشره، مكرما لأهله، معظما لهم، محرضا لهم على تعلم العلم وتعليمه، معينا لهم بما أمكن، مواصلا لهم، متفقدا لأحوالهم، لا يؤثر على استفادة العلم وإفادته عملا. وقد قال سفيان: (( ما أعلم عملا أفضل من طلب العلم ) )، وقال الشافعي [1] : (( طلب العلم أفضل من النافلة ) )، وقال مالك [2] لابن وهب لما جمع كتبه وقام يتنفل: (( ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه؛ إذا حسنت النية! ) ). وقيل لأحمد بن حنبل [3] : (( هذا العلم؛ فمتى العمل؟ ) ). قال: (( ألسنا نحن في عمل؟ ) ).وسيأتي ذكر ما كان عليه بعد انتقاله إلى فاس.
[ترجمة الشيخ الحسن بن محمد الهداجي الدراوي] [4] :
(1) توفي الشافعي رضي الله عنه: 205. نسخة (ب) .
(2) توفي مالك رضي الله عنه: 179. نسخة (ب) .
(3) توفي أحمد بن حنبل رضي الله عنه:251. نسخة (ب) .
(4) انظر ترجمة في:"نشر المثاني" (1090 موسوعة) ، إلا أنه سمى والده: أحمد بدل محمد، و"الروض العطر" (191) ، و"الصفوة" (8) ، و"التقاط الدرر" (29:1) و"السلوة" (83:3) .