وكان شديد الحرص في طلب العلم والاجتهاد في تحصيله، دائم العكوف على الدراسة والمطالعة والنظر، لا ينام من الليل إلا قليلا، وربما طلع الفجر ولم يكتحل بنوم؛ فحصل له من العناية الإلهية في الزمن اليسير ما لم يحصل لغيره في الأزمنة المتطاولة. وكان ثاقب الذهن، نافذ [10] الفهم، جيد الحفظ، سريع التحصيل، حاضر الذكر. إذا حفظ شيئا؛ لم يكد ينساه. ولقد كان في آخر عمره يستحضر النصوص والأقوال والتوجيهات وغير ذلك في الفقه وغيره، مع بعد العهد بزمن التحصيل وكبر السن.
[رجوعه للقصر الكبير عالما ومدرسا] :
قال شيخنا أبو العباس: (( رجع من فاس للقصر بعلم غزير؛ فانتفع به الخاص والعام، وقام للعلم سوق، وأحيى به الله من يومئذ البلاد والعباد، وسرت محبة العلم وتعلمه في الخاص والعام، وظهرت بركته فيهم وفي أولادهم؛ إذ كان علمه مصحوبا بالنور والفتح الرباني. فقد كان قبل ذلك وبعده صحب الشيخ العارف الكامل، قطب الأحوال: أبا زيد عبد الرحمن المجذوب كما تقدم ذكره؛ فهو الذي اقتبس الشيخ أبو المحاسن من أنواره، وسلك على منهاج آثاره، وبلغ على يديه المبلغ العظيم، وفتح له الفتح الجسيم، وكيف لا؟!؛ وصحبته له إنما كانت وهبية واختصاصية لا كسبية!، فكان الشيخ هو الطالب كما تقدم ذكره ) ).هـ.
ولما رجع إلى القصر؛ عقد مجالس لأنواع العلوم تنافس الناس في حضورها والإكباب عليها، وكان فصيح اللسان، متمكنا من الإيضاح والبيان، حلو العبارة، عذب الإيراد، أعطي بسطة في التعبير، وإيراد المعنى الغامض باللفظ السهل، وتنزيل المعقول منزلة المحسوس بالأمثلة الواضحة، تتلقى كلامه الأسماع والقلوب شأن المأذون له في التعبير.