فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 425

وأين الإمكان من رجل ذي قلب مُلتاع [1] ، وسِرب مرتاع [2] ، يُرَمّق العيشَ على برض [3] ، وتلفظه البلاد من أرض إلى أرض، ولا يتميز [4] سفره [4] ، ولا يحصل بالإقامة ظفره؛ فهو لا يلحظ إلا وجه تَنُوفَة [5] ، ولا يركب إلا ظهر مسافة مخوفة. يفر من الفتن بدينه، ويلجأ إلى الله تعالى وحده في تسليمه وتأمينه؟!. على أني أقول: وإن اختلفت العقول:

من كان ذا بتٍّ فهذا بتي [6]

وأتمثل بقول أبي الفتح البستي:

لئن تنقلت من دار إلى دار ... وصرت بعد ثواء رهن أسفارِ

فالحر حر عزيز النفس حيث ثوى ... والشمس في كل برج ذات أنوار!

وأنى تكون الإقامة، على استقامة، في زمان أيامه ليال، ووعد ليله بالصبح خيال، في وطن قد أظلم جوه، واحلولك دجوُّه، فأضاقت الفتن أكنافه، وتحيفت أوساطه وأطرافه، فشرق أهله بمائهم، وضلوا بنجم سمائهم، والدين قد انخلع من اسمه، وتركه رهينا في رَسْمِه، لولا المقيَّض [7] في الأوان - لو كان له أعوان.

وعسى أن نلمع ببعض التفاصيل إلماعا، ونوقظ بذكره أبصارا وأسماعا، إذا سام المفلس من نفسه النصيف، وانتهت النوبة إليه في الترتيب والترصيف.

(1) ملتاع: محترق

(2) المقصود: طريق واسع بعيد، لا يعلم منتهاه.

(3) البرض: القلة والحاجة.

(4) المقصود: لا يعرف وجهة لسفره، إنما هو تائه هارب بسبب الفتن والقلاقل. مشيرا إلى فراره من فاس بسبب فتنة العرائش الشهيرة عام 1021/ 1621

(5) تنوفة: موضع بجبل طيء. والمقصود: البعد وعدم إمكانية الوصول.

(6) البت: القطع، أو نوع من الثياب كالطيلسان، وفيه ورد هذا الرجز، والمقصود منه: بأن ما وضعه من هذا التأليف هو جهده، فمن له قدرة فليبت - أي: يصنع هذا النوع من الثياب - كما بته هو - وفيه نوع من الدعوة إلى التأليف والتذييل على كتابه. قال الشاعر:

من كان ذا بت فهذا بتي ... =

= ... مقيظ مصيف مشتى

تخذته من نعجات ست

(7) المقصود: المصلح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت