فهذه الآية كما تدل على أنه لا يخشى الله غير العلماء؛ فإنها تدل_ كذلك_ على أن هؤلاء العلماء لا يخشون غيره أيًا كان .
* وقد قال تعالى_ كذلك_: { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة: 44 ] .
فنصّ تعالى على أن العلم: أمانته, ووديعته عند أهله { بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } , وأنه ما استودعهم هذه الأمانة إلا ليقوموا بحقها بإظهار الحق, والدعوة إليه { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ } , ومن ثم: وجب عليهم أن لا يصدهم عن القيام بهذا الحق رغبة أو رهبة { فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } .
ـ وفي قوله تعالى: { فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } : إشارة إلى أمر هام بل إلى ما هو لباب هذا الباب؛ وهو أن الله سبحانه وتعالى قد علم, وقدر ( أن الحكم بما أنزل الله ستواجهه في كل زمان, وفي كل أمة معارضةٌ من بعض الناس, ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى, والقبول, والاستسلام:
ستواجهه معارضة الكبراء, والطغاة, وأصحاب السلطان الموروث؛ ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه, ويَرد الألوهية لله خالصة حين ينزع عنهم حق الحاكمية, والتشريع, والحكم بما يشرعونه هم للناس ممّا لم يأذن به الله .