وأهل الطائفة المنصورة من أبعد الناس عن الفساد، ومن ثم: لديهم أصول كلية يعرفون بها الحق: فلا يختلط بضده، وهم في ذلك يَردّون إلي تلك الأصول: المسائلَ، والوقائع، والأحداث، وغير ذلك من صور الجزئيات: فيهتدون، ولا يضلون، وينأون_ بفضل الله ورحمته_ عن الجهل، والكذب، والظلم.
ومن تلك الأصول الكلية عند أهل الطائفة المنصورة: معالم الحق عندهم إذ للحق عندهم معالم كما ذكرنا: يعصمهم تلمسُها, والتمسكُ بها_ بإذن الله_ من الوقوع في الباطل.
وهذا الباب معقود_ أساسًا_ للكلام عن أهم هذه المعالم, وهو ما سوف نتناوله_ إن شاء الله_ في الفصول التالية, فنقول:
الفصل الأول
المَعْلمُ الأول
الحق واضح ظاهر
فالحق عند الطائفة المنصورة: أبلج، أي:"ظاهر، واضح"، والباطل: لجلج، أي:"مختلط"، وهذا لمن أتى الحقَ من بابه، وطلبه من مظانه، واتبع سبيل المؤمنين، فالحق في مجمله: ظاهر غاية في الظهور والوضوح، خاصة: مسائله الكبار التي هي: عماد الإسلام وعصامه، والتي يحتاج إليه الناس ضرورة: فلا قيام لمصالح دينهم ودنياهم إلا بها، فهذه: قد بينها الشرع وأوضحها بأتم بيان، وأظهر حجة وبرهان، وقد قيل:"ما أبين الحق لذي عينين" (1) .
ــ وكون الحق: واضحًا، ظاهرًا عند الطائفة المنصورة أمر مقرر من وجوه:
ــ الوجه الأول:
أن الله سبحانه وتعالى بين أنه قد أقام حجته على عباده بالرسل، فمن بلغته الحجة الرسالية: فقد أقيمت عليه الحجة، وانقطع في حقه العذر، والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومنها:
* قال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا} [النساء: 165] .
(1) "حلية الأولياء 8/ 102".