فهم لا يَعرفون الحق إلا بالمنصب، والجاه، والسلطان، وغير ذلك من مظاهر القوة المادية، أما ما جاءهم به من البينات، والهدى, والنور, والحجج الظاهرة، القاهرة: فلا تساوي في ميزانهم المنكوس شيئًا .
وفي هذا إشارة ظاهرة إلى أن أرواح، وأنفس أهل الباطل: أرواح، وأنفس مادية، غلبتها ثقلة الطين: فارتبطت بالأرض وعالمها السفلي، وانقطعت صلتها بالسماء وعالمها العلوي: فصارت لا تعرف"حقًا"خارج المادة، ومظاهرها .
* وقال تعالى_ كذلك_ عن كفار قريش في حق أشرف الخلق، وسيدهم_ بأبي هو وأمي_ صلوات ربي وسلامه عليه: { وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ الله رَسُولًا } [ الأنبياء: 36 ] .
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_: [ لو عرفوا حقائق الرجال, والصفات التي بها يُعرف علو قدر الرجل, وعظم منزلته عند الله, وعند خلقه: لعلموا أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم: هو أعظم الرجال قدرًا, وأعلاهم فخرًا, وأكملهم عقلًا, وأغزرهم علمًا, وأجلهم رأيًا, وعزمًا, وحزمًا, وأكملهم خلقًا, وأوسعهم رحمة, وأشدهم شفقة, وأهداهم, وأتقاهم, وهو: قطب دائرة الكمال, وإليه المنتهى في أوصاف الرجال ألا وهو: رجل العالم على الإطلاق ] (1) .
ـ ولقد كان كفار قريش يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد الذين أسلموا معه من الضعفاء، من الفقراء، والعبيد، وهم قد كانوا مادة الإسلام ولبناته الأولى: فأنزل الله تعالى قوله:
(1) "تفسير السعدي/562".