وهذا السياق له أهمية خاصة هنا: حيث أخبر صلى الله عليه وسلم بما هو حادث بعده من الفرقة والاختلاف، وقد بيّن صلى الله عليه وسلم بين يدي ذكره لذلك: أنه قد ترك أمته على المحجة الواضحة، النقية:"على البيضاء: ليلها: كنهارها": وهذا نص منه صلى الله عليه وسلم بوضوح الحق وظهوره لمن طلبه عند شيوع الفرقة والاختلاف بل قد قال صلى الله عليه وسلم:"لا يزيغ عنها إلا هالك": وهذه إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى أن الحق وإن كثرت الأرآء والأهوآء: سهل المنال، داني القطاف، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
فهو ( صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى ترك الناس على شريعة بيضاء: ليلها كنهارها، لا تحتاج إلى تتمة، ولا تفتقر إلى زيادة ) (1) .
( فصلوات الله وسلامه على هادى الأمة، وكاشف الغمة الذي أوضح الله به المحجة، وأقام به الحجة، وأنار به السبيل، وأوضح به الدليل ) (2) .
ــ ومن أوجه وضوح الحق وظهوره بعد: كونُ هذا الحق في مجمله موافقًا لفطرة الإنسان السوية التي لم تشوهها الشبهات أو الشهوات:
* قال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرة الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } [ الروم: 30 ] .
يقول تعالى: ( فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية: ملة إبراهيم الذي هداك الله لها، وكمّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك: لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها ) (3) .
(1) "فيض القدير6/216".
(2) "حاشية ابن القيم على أبي داود12/313".
(3) "تفسير ابن كثير3/433".