قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_:[ يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا: { قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ } ، والقوام: صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط الذي هو العدل في حقوق الله، وحقوق عباده، فالقسط في حقوق الله: أن لا يُستعان بنعمه على معصيته بل تصرف في طاعته، والقسط في حقوق الآدميين: أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك، فتؤدي النفقات الواجبة، والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من الأخلاق، والمكافأة، وغير ذلك .
ومن أعظم أنواع القسط: القسط في المقالات، والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما بل يجعل وجهته العدل بينهما .
ومن القسط: أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان حتى على الأحباب بل على النفس، ولهذا قال: {شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَالله أَوْلَى بِهِمَا } ، أي: فلا تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير_ بزعمكم_ رحمة له بل اشهدوا بالحق على من كان .
والقيام بالقسط: من أعظم الأمور, وأدلها على دين القائم به, وورعه, ومقامه في الإسلام، فيتعين على من نصح نفسه، وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نُصْب عينيه، ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به، وأعظم عائق لذلك: اتباع الهوى، ولهذا: نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله: { فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا } ، أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها: عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل، فإن الهوى: إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلًا، والباطل حقًا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه: وفق للحق، وهدي إلى الصراط المستقيم ] (1) .
(1) "تفسير السعدي/125".