الصفحة 5 من 34

إن الدعوة الإسلامية على يد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تمثل الحلقة الأخيرة من سلسلة الدعوة الطويلة إلى الإسلام بقيادة الرسل الكرام ... وهذه الدعوة على مدار التاريخ البشري كانت تستهدف أمرًا واحدًا: هو تعريف الناس بإلههم الواحد وربهم الحق.

فالتوحيد هو دعوة الرسل جميعًا، وأول ما يخاطب به الرسول قومه، قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] ، وقال عز وجل: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] ، وقوله سبحانه: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد) [رواه البخاري] .

فالدين واحد وهو التوحيد، والشرائع مختلفة، قال عز وجل: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا} [المائدة: 48] ، فعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل الكتب.

فالرسل إنما أرسلوا إلى أقوامهم لطلب توحيد العبادة، وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بحقه الخالص ... وليس لمجرد التعريف بأن الله هو خالق العالم ورب السموات والأرض ... أرسلوا ليبينوا أن العبادة والنسك يجب أن توجه لله بلا شريك، وليبلغوهم تعليمات من ربهم ينظمون بمقتضاها حياتهم وتعاملاتهم بعضهم مع بعض، قال عز وجل: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] ، وبين سبحانه أن هذه الثلاثة: الاعتقاد والشعائر والشرائع هي مقتضى قول كل رسول لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [هود: 50] .

وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وكانوا مع هذا مشركين ... ولهذا لما كان المشركون يحرّمون أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، ويأمرون بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان، أنزل الله سورة الأنعام والأعراف وغيرهما يذمهم على ذلك وذكر ما أمر به هو وما حرمه هو، فقال سبحانه وتعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} [الأعراف: 29] ... فأمر مع القسط بالتوحيد، الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا أصل الدين وضده الذنب الذي لا يُغفر ... وهو الدين الذي أمر الله به جميع الرسل وأرسلهم به إلى جميع الأمم.

وإذن فالتوحيد الذي دعت إليه الرسل الكرام ونزلت به كتب الله نوعان:

-توحيد في المعرفة والإثبات.

-توحيد في المطلب والقصد.

فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى، وأسمائه، وأفعاله، وصفاته، وعلوه فوق سمواته على عرشه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح، كما في سورة الحديد، وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكمالها، وغير ذلك.

والنوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة {قل يا أيها الكافرون} ، وقوله: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} ، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة يونس ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد ... وهذه هي حقيقة التوحيد أن تكون الربوبية كاملة لله تعالى، وتكون الألوهية كاملة لله تعالى، وتوحيد الألوهية وإفراد الله سبحانه بالعبادة هو فيصل التفرقة بين التوحيد والشرك، ولذلك يتعين علينا أن نعرف ما هي أركان توحيد الألوهية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت